الرئيسية » » الأقتصاد السياسي الدولي - أ.د عبد الله وهبة

الأقتصاد السياسي الدولي - أ.د عبد الله وهبة

الاقتصاد السياسي الدولي

أ.د عبد الله هديه

أما إذا لم توجد موارد معطلة في البلاد الفقيرة ، وهو فرض صعب التصور ، فلا يكون هناك مجال إذن للحديث عن التنمية الإقتصادية . وعلى ذلك فإن التنمية الاقتصادية تهدف أساساً إلى استغلال الموارد المعطلة ، وإلى رفع مستوى المعيشة .
وسندرس هنا مضمون التنمية الاقتصادية ، والسياسة اللازمة للقيام بها .
أولا : مضمون التنمية الاقتصادية
تهدف التنمية الاقتصادية أساساً إلى تشغيل الموارد المعطلة ، وخاصة اليد العاملة ، وإلى رفع الدخل القومي بمعدل أكبر من معدل زيادة السكان ، وهو ما يعني رفع متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي ، وما يستتبع ارتفاع مستوى المعيشة . ومعنى ذلك إذن أن التنمية الاقتصادية تنصرف بصفة أساسية إلى تكوين الجهاز الانتاجي اللازم لتشغيل الموارد البشرية والطبيعية غير المستغلة بغرض رفع الدخل القومي بمعدل أكبر من معدل تزايد السكان .
ويكون رفع الدخل القومي بطريقتين وهما : رفع انتاجية فروع الانتاج القائمة ، وهي الزراعة والاستخراج وخلق فروع انتاج جديدة ، وذلك عن طريق توجيه جزء من اليد العاملة من الزراعة إلى الصناعة وسندرس هنا هاتين الطريقتين على التوالي .
أولاً : رفع انتاجية فروع الانتاج القائمة :
تتمثل فروع الانتاج القائمة في البلاد المتخلفة أساساً في الزراعة وفي استخراج المواد الأولية . ومن المهم أن ننبه إلى أن تنمية الانتاج الزراعي تشكل جزءاً هاماً من التنمية الاقتصادية ، وذلك لثلاثة أسباب هامة :
أولها : ضرورة التوسع الزراعي لمقابلة الزيادة المستمرة في السكان ، ولمقابلة الزيادة المستمرة في الطلب على السلع الزراعية تلك الزيادة التي تنتج عن التوسع الصناعي وما يستتبعه من زيادة الدخول الموزعة . ومعنى ذلك إذن أن التوسع الزراعي لازم لمقابلة زيادة السكان ، ولرفع مستوى المزارعين ، ولمواجهة حاجات المشتغلين في الصناعة .
ثانيها : ضرورة رفع انتاجية العمل الزراعي وذلك بغرض توفير المواد الأولية اللازمة للتوسع الصناعي ، وبغرض مواجهة نقل جزء من اليد العاملة من الزراعة للصناعة .
وثالثها : ضرورة التوسع في تصدير المنتجات الزراعية رغبة في زيادة استيراد مستلزمات التنمية الصناعية .
وهنا يلزم أن نشير إلى تجارب بعض الدول في هذا المجال . فقد اعتمدت بعض الدول على التقدم الزراعي في تمويل الصناعة ، ومثل ذلك اليابان ، فقد ضاعفت الإنتاج الزراعي فيما بيم 1885 – 1915 وأخذت معظم هذه الزيادة من المزارعين ، عن طريق الضرائب العالمية ، واستخدمتها في تمويل بقية الصناعات .
وكذلك اعتمد الاتحاد السوفيتي على الزراعة في تمويل الصناعة ، وذلك عن طريق منع ارتفاع دخول المزارعين . وفي سبيل ذلك لجأ الاتحاد السوفيتي إلى خفض اثمان الاستيلاء على المنتجات الزراعية بالنسبة لأثمان المنتجات الصناعية ، وإلى رفع الضرائب على المزارع الجماعية .
ويمكن أن تتسم التنمية الزراعية بأحد طريقين : وهما التوسع الأفقي والتوسع الرأسي . ونقصد بالتوسع الأفقي زيادة المساحة المنزرعة ، ونفقد بالتوسع الرأسي رفع إنتاجية الوحدة المزروعة (الفدان) . ويكون التوسع في المساحة المزروعة عن طريق تحويل جزء من الصحاري إلى أراض زراعية ، وعن طريق استصلاح الأراضي البور ، وتجفيف المستنقعات . ويكون رفع انتاجية الوحدة الزراعية عن طريق الأخذ بالفن الانتاجي المتقدم وبانتقاء البذور وباستنباط سلالات جديدة ، وبمحاربة الآفات ، وبحسين الري والصرف .
ثانياً : خلق فروع انتاج جديدة ( التصنيع ) :
تعتمد البلاد المتخلفة كما قلنا في الانتاج بصفة أساسية على الزراعة ، أو على استخراج المواد الأولية . وغالباً ما تعتمد في التصدير على محصول واحد .
ويؤدي هذا الوضع إلى النتائج السيئة التي قدمناها . ولذلك فإن زيادة الدخل القومي تقتضي ، في هذه البلاد المتخلفة ، إيجاد فروع جديدة للعمل ، أي تقتضي تنويع الانتاج القومي . ومعنى ذلك أن التنمية الاقتصادية تقتضي تغير البنيان الاقتصادي ، ذلك أن المشكلات التي تشكو منها البلاد المتخلفة إنما تعود إلى ذات البنيان الاقتصادي . فالتنمية الاقتصادية تقتضي تكوين جهاز إنتاجي يكفي لتشغيل الموارد المعطلة ، أي تقتضي القيام بالتصنيع . وعلى ذلك فهي تهدف ، بصفة أساسية ، إلى إحلال جزء من النشاط الصناعي محل جزء من النشاط الزراعي ، أي إلى تحويل جزء من اليد العاملة من الزراعة إلى الصناعة .
ومن الملاحظ أن هذا التحويل يؤدي إلى زيادة الانتاج الصناعي دون أن يؤدي إلى نقص الإنتاج الزراعي على ما بينا عند دراسة البطالة المقنعة والبطالة الموسمية .
ويمكن أن نرد أهمية التصنيع إلى عدة اعتبارات أهمها ما يلي :
1- سرعة ظهور ظاهرة تناقص الغلة في الزراعة عنها في الصناعة ، وذلك لأن القدرة على التوسع في المساحة الزراعية أقل من القدرة على التوسع في إنشاء المشروعات الصناعية . وأمام هذا الوضع نجد أن التوسع الزراعي لا يكفي وحده لتحقيق الارتفاع المطلوب في مستوى المعيشة . وبالإضافة إلى ذلك فإن إنتاجية العامل الزراعي تقل ، بصفة عامة ، عن إنتاجية العامل الصناعي وهو ما يتضح من الإحصاءات الآتية :
إنتاجية العامل في الزراعة والصناعة في مصر
( بأسعار سنة الأساس 59/1960 ) (بالجنيه )
السنة الزراعة الصناعة
59/1960 124.8 433.4
60-1961 112.0 462.5
61-1962 103.6 469.7
62-1963 117.3 468.2
63-1964 123.3 480.0
64-1965 126.2 483.2
2- إن التوسع الصناعي ضروري للقضاء على البطالة المقنعة والبطالة الموسمية ذلك أنه يقتضي تحويل الجزء من اليد العاملة الزائدة عن حاجة الزراعة إلى الصناعة ، كما أنه يمكن من تشغيل العمال الزراعيية في غير مواسم العمل .
3- تؤدي التنمية الصناعية إلى تنويع الإنتاج القومي ، وهو ما يلزم لضمان قدر من الاكتفاء الذاتي، وما يلزم بالتالي لتدعيم استقلال الاقتصاد القومي عن الاقتصاديات المتقدمة ، ولاستبعاد كثير من التغيرات المنعكسة منها .
ولكن يلاحظ من ناحية أخرى أن التنمية الصناعية تقتضي من الشعوب المتخلفة تضحيات كبيرة . ويلاحظ ، بالإضافة إلى ذلك ، أن تكاليف الانتاج الصناعي تكون أكثر ارتفاعاً في البلاد المتخلفة عنها في البلاد المتقدمة . ولذلك فإن الصناعات الوطنية تكون في حاجة إلى الحماية وخاصة الجمركية منها ، بشرط ألا تؤدي الحماية الجمركية إلى رفع تكاليف التنمية الاقتصادية ، وبشرط أن تكون هذه الصناعات قادرة على البقاء . وتؤدي الحماية الجمركية إلى ارتفاع الأثمان بالنسبة للمستهلك . ولكن من الملاحظ أيضاً أن ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي لن يكون بصفة دائمة ، إذ المفروض أن تنخفض هذه التكاليف بعد تحقيق قدر من التنمية الاقتصادية ، وعلى وجه التحديد بعد قيام الصناعات الأساسية . ومعنى ذلك إذن أن التضحيات التي سيتحملها الشعب في سبيل التنمية الاقتصادية تضحيات مؤقتة تنتهي ، بعد قيام التنمية ، إلى تحقيق الرفاهية الاقتصادية .
وننتقل الآن إلى دراسة التنمية الاقتصادية .
ثانياً : سياسة التنمية الاقتصادية 
ليس لدينا من سبب يجعلنا نعتقد أن التنمية الاقتصادية تعتبر مرحلة حتمية من مراحل التطور . فمن استقراء التاريخ نجد أن بعض الجماعات قد عاشت حتى الآن في حالة بدائية متخلفة ، دون أن يسجل تاريخها أي تقدم . ومعنى ذلك أننا لا يصح أن نعتمد على النشاط الخاص وحده في اتمام التنمية الاقتصادية ، بل يجب أن تتدخل الدولة في ذلك . حقيقة إن كثيراً من البلاد قد اعتمدت في إتمام التنمية الاقتصادية على النشاط الخاص ، وخاصة في القرن التاسع عشر . ومثل ذلك أن انجلترا وفرنسا وغيرهما من البلاد الأوروبية قد اعتمد على الباعث الخاص في التنمية الاقتصادية . وساعدها على ذلك ما كان لها من مستعمرات واسعة غير أن ظروفها غالباً مما لا تتوافر للبلاد المتخلفة . وبالإضافة إلى ذلك فإن تبعية البلاد المتخلفة للبلاد المتقدمة ، هذه التبعية التي تجعل من الأولى مصدراً للموارد الأولية إلى الثانية ، ومستورداً للمواد الصناعية منها ، تحول دون قيام البلاد المتخلفة بالتنمية الاقتصادية . فالمحافظة على هذا الوضع غالباً ما ترفض البلاد المتقدمة معاونة البلاد المتخلفة في التنمية الصناعية ، وتقصر هذه المعونة، إن قدمتها ، على انتاج المواد الأولية والزراعية . وهذا هو ما كان عليه مسلك رءوس الأموال الأجنبية في مصر . فقد اقتصرت هذه الأموال على تمويل زراعة القطن وتجارته . وبالإضافة إلى ذلك فإن منافسة صناعات البلاد المتقدمة، وهي تنتج في ظروف إنتاج حسنة وبنفقات إنتاج منخفضة، لصناعات البلاد المتخلفة ، وهي تنتج في ظروف سيئة وبنفقات إنتاج مرتفعة ، تعقد مشكلة التنمية .
ومقتضى هذا الوضع أنه لا ينصح ترك أمر التنمية الاقتصادية للحرية الاقتصادية وللنشاط الخاص . بل يجب أن تتدخل الدولة في وضع وتنفيذ سياسة التنمية الاقتصادية ولا يصح أن يقتصر تدخل الدولة على السياسة النقدية المدارة ، وذلك نظراً لعدم كفاية الجهاز النقدي في البلاد المتخلفة ، ولعدم فاعلية الأدوات النقدية . وترجع عدم فاعلية هذه الأدوات إلى عدم انتشار العادة المصرفية في البلاد المتخلفة ، وإلى عدم استجابة الأفراد لتغيرات سعر الفائدة ، وخاصة وأن الاكتناز يرتكن في هذه البلاد إلى تقاليد خاصة مما يضعف من مرونته بالنسبة لسعر الفائدة، ويضعف بالتالي من السياسة النقدية . وأمام هذا النقص يجب على الدولة أن تعتمد أيضاً ، في القيام بالتنمية الاقتصادية، على السياسة المالية ، أي على سياسة النفقات العامة والإيرادات العامة . ومن الملاحظ أن تدخل الدولة في وضع وتنفيذ سياسة التنمية له درجات متفاوتة تبعاً لنوع النظام الذي تنتمي إليه الدولة . ففي النظام الاشتراكي تقوم الدولة أساساً بوضع برامج التنمية وبتنفيذه، وتعتمد في ذلك بصفة أساسية على القطاع العام. أما في النظام الرأسمالي فإن الدولة تعمل على تشجيع استثمار رأس المال الخاص، وتقوم هي بالإستثمارات الأساسية والهامة بالقدر الذي يكمل النقص في القطاع الخاص .
ولما كانت البلاد المتخلفة تشكو قلة الموارد بالنسبة لحاجات التنمية فإنه يكون من الضروري، حرصاً على حسن استخدام هذه الموارد، أن تأخذ بأسلوب التخطيط . كما يكون من الضروري رغبة في دعم التنمية الاقتصادية وفي تخفيض نفقات الانتاج أن تعطي الأولوية للصناعات الأساسية والهامة وللمرافق الحيوية . ومثل ذلك النقل والمواصلات والطاقات المحركة .
وننتقل الآن لدراسة أهم عناصر سياسة التنمية . وننبه أولاً إلى أن سياسة التنمية الاقتصادية تتمثل في جزئها الأكبر والأهم في تكوين الجهاز الإنتاجي الكافي لتشغيل الموارد المعطلة . وتنقسم عناصر سياسة التنمية الاقتصادية إلى قسمين : عناصر غير اقتصادية وعناصر اقتصادية .
وتتمثل العناصر غير الاقتصادية بصفة أساسية في : (1) إعداد الجو الاجتماعي والسياسي الملائم للتنمية (2) الأخذ بالفن الإنتاجي المطبق في البلاد المتقدمة .
بينما تتمثل العناصر الاقتصادية في : (1) توفير موارد التمويل ، (2) رفع الميل للاستثمار (رفع الطلب الفعلي على أموال الاستثمار)
1- العناصر غير الاقتصادية
إعداد الجو الاجتماعي والسياسي الملائم للتنمية :
لا يمكن أن يتم التقدم الاقتصادي إلا في جو ملائم ، إذ يجب أن يكون السكان على استعداد لتقبله ، وأن تكون المنظمات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية مما تسمح به . ولذلك فإن على الدولة ، وهي بصدد القيام بالتنمية الاقتصادية ، أن تفير من هذه الأوضاع ما لا يسمح بالتنمية.
ولابد حتى يتم التقدم من اعتقاد سكان البلاد المتخلفة أن الإنسان قادر على السيطرة على الطبيعة ، ويقتضي قيام مثل هذا الاعتقاد انتشار التعليم. وقد يحدث في بعض الجماعات أن تكون الاختراعات محرمة. ومثل ذلك أن رجال الدين هم الذين يقومون في بعض الجماعات بتحديد الفن الزراعي على أن يعتبر الأخذ بفن غيره خروجاً على الدين . وقد تحرم المعتقدات الدينية أو الاجتماعية استعمال بعض الموارد لما تخلعه عليها من صفة دينية، أو من أهمية خاصة، وذلك مثل البقرة في الهند وفي بعض مناطق شرق أفريقيا، حيث يتحدد مركز الفرد في هذه المناطق الأخيرة بما يملكه من بقر .
وكثيراً ما يحرم النظام الاجتماعي الأفراد من الإمكانيات اللازمة لإقامة المشروعات . فتركز الثروة في يد طبقة محدودة العدد يؤدي إلى حرمان غالبية السكان من الامكانيات التي لو يسرت لهم لشاركوا عن طريقها في رفع الدخل القومي. ويكون الأمر أكثر خطراً إذا كانت الجماعة مقسمة إلى مجموعات تبعاً للجنس أو الدين، وكان القانون أو العرف يحرم بعضاً منها تبعاً لأحد الأسس المتقدمة من امكانيات التقدم . ومن النادر أن يقوم التقدم في مثل هذه الجماعات التي يحظر فيها الرقي الاجتماعي على بعض الطبقات، وحيث تعمل بعض الطبقات على المحافظة على امتيازاتها .
وبالإضافة إلى ذلك فإن الجهاز الحكومي في البلاد المتخلفة جهاز متأخر ومنخفض الإنتاجية. فالموظفون يتصفون بعدم الكفاءة وبسوء الخلق.
ومن الملاحظ أن كل هذه الظروف تخلق جواً غير ملائم للتنمية الاقتصادية . ولذلك يجب ترك المعتقدات القديمة. وهدم المنظمات الاجتماعية والحوائل التي تقوم على أساس الجنس أو الدين حتى يمكن خلق الجو الملائم للتنمية الاقتصادية .
الأخذ بالفن الانتاجي المطبق في البلاد المتقدمة :
تتميز البلاد المتقدمة بمعرفة عملية وفنية واسعة وبفن إنتاجي متقدم ،مما يرفع انتاجية العمل ، وعلى العكس من ذلك فإن البلاد المتخلفة تتميز بفن إنتاجي متأخر، إذ أن بعض هذه البلاد لم تغير الفن الإنتاجي الذي درجت عليه منذ قرون .
وعلى ذلك فإن التنمية الاقتصادية تقتضي أن تأخذ البلاد المتخلفة بالفن الإنتاجي المطبق في البلاد المتقدمة ، وأن تفيد من تجاربها . ومع ذلك يظل من الضروري أن نلاحظ :
1- أن إدخال الفن الحديث يقتضي مستوى مرتفعاً من المعرفة والثقافة بصورة قد لا يكون من السهل معها في بعض الحالات على البلاد المتخلفة أن تأخذ به . وبالإضافة إلى ذلك فإن الفن الإنتاجي الحديث يقتضي تغيراً رئيسياً في عقلية سكان البلاد المتخلفة حتى يصبح من السهل عليهم تقبل الإصلاح . ويقتضي الأمر إعداد اليد العاملة اللازمة لتطبيق الفن الانتاجي الجديد، مما يتطلب نفقات كثيرة ، وهو ما يعرف " بالإستثمار الإنساني " .
2- إن الفن الإنتاجي المأخوذ به في البلاد المتقدمة لا يمكن أن ينقل كما هو إلى البلاد المتخلفة بل يجب أن يلاءم بينه وبين حاجات هذه البلاد. فيجب مثلاً التأكد من صلاحية السماد المستخدم في البلاد المتقدمة للأرض في البلاد المتخلفة . ومن الملاحظ أن جزءاً كبيراً من الأبحاث الفنية في البلاد المتقدمة تخصص لتوفير اليد العاملة . وعلى العكس من ذلك فإن مشكلة البلاد المتخلفة التي تزيد فيها اليد العاملة عن فرص العمل تتمثل في كشف الطرق الفنية التي تؤدي إلى توفير رءوس الأموال .
3- وبالإضافة إلى ذلك نجد أن الفن الإنتاجي المطبق في البلاد المتقدمة يتطلب عادة نفقات كبيرة لا تستطيع البلاد المتخلفة ، وهي بلاد فقيرة، أن تقوم بها . ولذلك يكون على هذه البلاد المتخلفة، وهي في سبيل نقل الفن الإنتاجي عن البلاد المتقدمة ، أن تدخل في حسابها مدى إمكان تحملها لهذه النفقات، وأن يكون اختيارها للمشروعات التي تقوم بإنشائها على أساس هذه القدرة المالية .
وبقى أن نذكر أن نقل البلاد الآخذة في النمو للفن الإنتاجي المطبق في البلاد المتقدمة يؤدي إلى نتائج بالغة الأهمية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية .
(1) فهو يستتبع بالضرورة ظهور البطالة الفنية ذلك أن العمال لن يستطيعوا متابعة هذا الفن الجديد بسرعة وسهولة . ولذلك يكون من الضروري الاهتمام بتدريب العمال على هذا الفن الجديد (2) وبالإضافة إلى ذلك فإن الانتقال من الزراعة إلى الصناعة ، ومن الحرف الصغيرة إلى الانتاج الكبير، يؤدي إلى خلق مشكلات اجتماعية على جانب من الأهمية لأنه يؤدي إلى توطن العمال في مناطق معينة ، ولأنه يؤدي إلى ارتفاع أجورهم ، كما يؤدي إلى تغيير المنتجات ، وهو ما يستتبع بالضرورة تغيير ( نماذج الاستهلاك ) وتتغير الميل للاستهلاك ، وكلها أمور تستلزم الدراسة والحرص في معالجتها .
2- العناصر الاقتصادية
تتمثل العناصر الاقتصادية اللازمة للتنمية في تلك التي تتوقف أساساً على الحياة الاقتصادية وهي : (أ) خلق الميل للاستثمار اللازم لتشغيل الموارد المعطلة ( خلق الطلب الفعلي ) (ب) توفير موارد التمويل اللازمة للتنمية الاقتصادية .
ولن نناقش هنا هاتين المشكلتين إلا بالقدر الذي يلقي ضوءاً على خصائصها في البلاد المتخلفة ، وعلى العلاج اللازم لها في هذه البلاد. ، وذلك لأننا سنعود إل تفصيلهما في الكتاب الثالث من هذا المؤلف .
أولاً : رفع الميل للاستثمار ( رفع الطلب الفعلي )
رأينا أن عملية التنمية تتمثل ، بصفة أساسية ، في تكوين الجهاز الإنتاجي اللازم، أي في تكوين الاستثمارات اللازمة لتشغيل المواد المعطلة .
ولابد للقيام بهذه الاستثمارات الجديدة من وجود ميل للاستثمار، أي من وجود طلب فعلي كاف لتبريرها يستلزم أن تكون الأرباح المترتبة على الاستثمارات كافية لتبريرها وقد يتبادر إلى الذهن، ونظراً لقة الاستثمارات في البلاد المتخلفة ، أن الميل للاستثمار مرتفع في هذه البلاد.
وأوضح أن مثل هذا الظن إنما يستند إلى الخلط بين الميل للاستثمار وفرص الاستثمار. ولذلك يكون من الضروري أن نفرق بين هذين المفهومين، إذ أن عدم التفرقة بينهما يخشى معه أن يلقى ظلاً على ضعف الميل للاستثمار في البلاد المتخلفة . ففرص الاستثمار تتمثل في الاستثمارات التي تكون هذه البلاد في حاجة إليها ، والتي تتوافر الإمكانيات العينية اللازمة لإقامتها.
وعلى ذلك فإن هذه الفرص تتوقف على مقدار الحاجات ، وعلى مقدار الموارد القائمة والمعطلة، وعلى حجم وأنواع الاستثمارات القائمة فعلاً، وعلى درجة المعرفة . ومن دراسة الاقتصاديات المتخلفة نجد أن فرص الاستثمار بها ، ولقلة ما تكون من استثمارات، ولكثرة الموارد المعطلة، بالغة الاتساع.
أما عن الميل للاستثمار فيقصد به الباعث الذي يدفع إلى الاستثمار، وهو يتوقف على الربح الذي يترتب على الاستثمارات. ومن دراسة الاقتصاديات المتخلفة نخلص إلى ضعف ميلها للاستثمار، وذلك نظراً لانخفاض الأرباح. ويعود انخفاض أرباح الاستثمارات في البلاد المتخلفة إلى عدة أسباب أهمها :
(1- ضعف القوة الشرائية ) وهو ما يعني انخفاض الطلب على أموال الاستهلاك ، وما يستتبع بالتالي انخفاض الطلب على أموال الاستثمار (على الأقل في الحدود التي يتولد فيها الثاني عن الأول) ويعود ضعف الطلب على أموال الاستهلاك إلى انخفاض الناتج القومي. ولا شك في أن محاولة رفع الطلب على أموال الاستهلاك تصطدم بمشكلة تكوين الادخار، وهو لازم لتمويل التنمية الاقتصادية. وهذا يضع البلاد المتخلفة في مأزق لأنها إن عملت على رفع الاستهلاك بقصد تصريف منتجات الصناعات الاستهلاكية ، وهو أمر ضروري لنشأة هذه الصناعات، فإنها تضر بتكوين المدخرات اللازمة لتمويل التنمية .
(2- ارتفاع الميل للاستراد في البلاد المتخلفة ) من الملاحظ أن جزءاً كبيراً من الطلب المحلي على سلع الاستهلاك يتجه إلى المنتجات الأجنبية .
ولذلك يكون على الدولة الراغبة في التنمية أن توجه الطلب المحلي إلى المنتجات الوطنية (على ألا يؤدي ذلك إلى حدوث التضخم). وتتضح أهمية هذا الإجراء من خطورة منافسة الصناعات الأجنبية للصناعات الوطنية، وذلك أن الصناعات الأجنبية تنتج في ظروف حسنة، وبنفقات منخفضة، بينما أن الصناعات الوطنية تنتج في ظروف سيئة ، وبنفقات مرتفعة. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه المنافسة غير المتكافئة تسهم إلى حد كبير في ضعف ثقة المشتري الوطني في المنتجات الوطنية . وأمام هذ الوضع يكون على الدولة الآخذة في النمو أن تحمي الصناعات الوطنية الناشئة ، على أن تكون هذه الصناعات قادرة على البقاء. ويمكن أن تكون هذه الحماية بمنع استيراد المنتجات الأجنبية المتشابهة، أو برفع الرسوم الجمركية عليها، وبإعفاء الصناعات الوطنية من الرسوم الجمركية المفروضة على مستلزمات الإنتاج، أو من الضرائب المفروضة على الدخل. كما يمكن أن تكون بإعطاء إعانات لهذه الصناعات .
(3- ارتفاع نفقات الإنتاج) وهو ما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض الأرباح . ويعود ارتفاع نفقات الإنتاج إلى عدم توافر الأبنية الرئيسية اللازمة للإنتاج، ومثلها الطرق والمواني والكهرباء والمرافق العامة، وإلى عدم توافر الصناعات الرئيسية ، وإلى انخفاض إنتاجية العمل، وذلك نظراً لانخفاض المستوى الفني للإنتاج. ولذلك يكون من الضروري أن تعطي الدولة أولوية في التنفيذ للمرافق والصناعات الأساسية ، وأن تهتم برفع الفن الإنتاجي .
وعادة ما لا يكفي النشاط الخاص للقيام بالاستثمارات اللازمة. ولذلك يكون من الضروري أن تلجأ الدولة إلى إقامة الاستثمارات العامة التي ترى ضرورتها للقيام بالتنمية. وهنا يلزم أن نبين أن نطاق الاستثمارات العامة إنما يتحدد في ضوء الفلسفة التي تسيطر على الجماعة، وهي فلسفة تختلف من النظام الرأسمالي الذي يأخذ الاستثمارات العامة على أنها مكمل للاستثمارات الخاصة ، إلى النظام الاشتراكي الذي يعتمد بصفة أساسية على الاستثمارات العامة .
ثانياً : توفير موارد التنمية الاقتصادية : 
تقتضي التنمية الاقتصادية الحصول على الموارد العينية اللازمة لها. فهي تقتضي الحصول على المواد الأولية وعلى الآلات وعلى اليد العاملة .
وعلى ذلك فهي في حاجة إلى رءوس أموال نقدية لتحصل بها على هذه الموارد. وإذا كانت البلاد المتخلفة تتميز بموارد عينية غير مستغلة إلا أنها تنقصها، ومن ناحية أخرى ، بعض الموارد اللازمة للتنمية . فالعوامل التي تتوافر في الداخل يكون الحصول عليها بالعملة الوطنية . أما العوامل التي يجب أن تستورد من الخارج فيكون الحصول عليها بداهة بالعملات الأجنبية .
ومن هنا يتضح أن مشكلة التمويل في البلاد المتخلفة مشكلة مزدوجة لأنها لا تقتصر على توفير رءوس الأموال النقدية فحسب ، بل تقتضي بالإضافة إلى ذلك ، أن تكون رءوس الأموال هذه من النوع الملائم على النحو السابق، أي تقتضي توفير العملات الأجنبية .
ويمكن أن نوفر رؤوس الأموال النقدية من مصادر وطنية ، أو من مصادر أجنبية . تتمثل المصادر الوطنية في تكوين المدخرات القومية .
وقد تكون الموارد الأجنبية في شكل استثمارات مباشرة تقوم في البلاد المتخلفة ، أو في شكل قروض أو في شكل إعانات تمنح لهذه البلاد . ومن الملاحظ أن الموارد الأجنبية تخضع ، بالإضافة إلى الاعتبارات الاقتصادية التي تتمثل أساساً في البحث عن الربح ، إلى اعتبارات سياسية .
ويصطدم تكوين المدخرات القومية في البلاد المتخلفة بانخفاض الدخل القومي، وهو ما يستتبع بالضرورة تخفيض الجزء الأكبر منه للاستهلاك، وما يعني بالتالي صالة الادخار. ومع هذا الوضع تصبح البلاد المتخلفة مضطرة ، في سبيل رفع الادخار ، إلى تخفيض الاستهلاك القومي . وهنا تتضح صعوبة الموقف ، ذلك أن استهلاك غالبية السكان منخفض في هذه البلاد نظراً لانخفاض الدخل القومي ، إلى المستوى الذي يكون من الصعب معه ضغطه. ومع ذلك يظل من الضروري أن ننبه إلى حقيقتين تؤكدان معاً أن زيادة الادخار القومي ، وإن كانت عملية بالغة الصعوبة، إلا أنها تظل ممكنة .
أولاهما – أن من الضروري على الشعب أن يتحمل التضحيات التي تفرضها عليه عملية التنمية في سبيل رفع مستوى المعيشة .
وثانيتهما – أن نعتمد بصفة أساسية في تكوين المدخرات المطلوبة على التفاوت القائم بين الثروات والدخول في هذه البلاد . وهو ما يعني ضرورة الاعتماد بصفة أساسية على ضغط استهلاك الطبقات ذات الدخول المرتفعة، وذلك عن طريق الضرائب التصاعدية ، وعن طريق منع استيراد السلع الكمالية ، وعن طريق تقييد التحويلات النقدية إلى الخارج ، وعن طريق الاقتراض الإجباري، على أن تخصص حصيلة هذه العمليات لتمويل التنمية الاقتصادية .
وبالإضافة إلى ذلك يمكن للدولة أن تهتم بتشجيع الادخار الاجباري عن طريق نشر صناديق التوفير ورفع سعر الفائدة التي تعطى على الودائع، وتوفير بعض الضمانات والامتيازات لها ، وعن طريق نشر العادة المصرفية، والعمل على نمو السوق المالية وحمايتها .
وننبه هنا إلى أن اتساع القطاع العام ، وهو يضمن للدولة جزءاً كبيراً من الدخل القومي ، يعطيها فرصة كبيرة لزيادة الادخار القومي .
وفي الختام ننبه إلى أن مشكلة الادخار ، وهي أهم مشكلات التنمية الاقتصادية ، ليست سهلة الحل ، بل أنها تحتاج إلى كثير من التضحيات لأنها تعني تخفيض استهلاك منخفض بطبيعته. ولكن يلاحظ أن قطع مرحلة من عملية التنمية ، وهو ما يعني ارتفاع الدخل القومي، يسهم في حل هذه المشكلة ، وهو ما يعني إذن أن " التنمية تمول التنمية " .
ونكتفي هنا بهذا القدر على أن نعود إلى تفصيل بعض هذه المسائل عند دراسة الطلب الفعلي والتمويل في الكتاب الثالث .
الفصل الثاني 
تطور البنيان الاقتصادي في الخارج
( السيطرة الاقتصادية )
تكلمنا عن التطور الاقتصادي في الداخل ، وعن أنه ينصرف إلى تغير النسب القائم بين العناصر الإقتصادية ، غير أن التطور الإقتصادي لا يقتصر على تغير النسب القائمة بين العناصر المكونة للاقتصاد القومي، بل إنه ينصرف أيضاً إلى العلاقات القائمة بين الاقتصاد القومي وغيره من الاقتصاديات الأجنبية. وهذا هو ما يعرف بالتطور في الخارج. فالاقتصاد القومي يدخل في علاقات مع الاقتصاديات الأجنبية ، إذ أن العالم لا يعرف ، إلا فيما ندر ، الاقتصاد المغلق الذي يقوم على الاكتفاء الذاتي ولا شك أن مثل هذا الاقتصاد المغلق لابد أن يكون ، إن وجد ، بالغ التخلف . بل على العكس من ذلك فإن دول العالم تدخل في علاقات فيما بينها . وهذه العلاقات لا تقوم عادة بين متعادلين . فما يتفق والواقع أن نأخذ العالم الاقتصادي على أنه مجموعة من العلاقات قائمة بين مسيطرين وتابعين ، لا أن تأخذه على أنه مجموعة من العلاقات بين متعادلين .
وعلى ذلك فالسيطرة ظاهرة اقتصادية واقعية ، وهي ليست بالإضافة إلى ذلك ، ظاهرة استثنائية مقصورة على العلاقات الاقتصادية بين الدول، إذ أننا نقابلها أيضاً بين الوحدات الاقتصادية داخل الاقتصاد القومي .
فنحن نعرف ، في نطاق الاقتصاد القومي الوحدة المسيطرة في حالة الاحتكار ، والمنافس المسيطر في حالة المنافسة الثنائية، ومنافسة القلة .
وإذا ما انتقلنا إلى النطاق الدولي وجدنا ما يعرف بالاقتصاد المسيطر. فالدول تدخل في علاقات اقتصادية فيما بينها . وقد تكون العلاقات بين دولتين محدودة ، ولذلك فإن كلاً منهما يحتفظ باستقلاله . كما قد تكون هذه العلاقات على درجة كبيرة ، فتضح أحد الاقتصادين في وضع المسيطر والآخر في وضع التابع . وننتقل الآن إلى دراسة معنى التبعية و " السيطرة "  وأسبابها .
معنى التبعية والسيطرة :
نقصد بتبعية اقتصاد قومي ما خضوع هذا الاقتصاد لسيطرة اقتصاد آخر (أو لسيطرة منطقة اقتصادية معينة) بحيث يكون هذا الاقتصاد القومي خاضعاً في سيره للتغيرات التي تحدث في هذا الاقتصاد المسيطر، أو للقرارات التي تصدر عنه .
وتزداد خطورة هذه التبعية الاقتصادية إذا ما انفرد اقتصاد واحد (أو منطقة اقتصادية معينة) بالسيطرة على الاقتصاد القومي. أما مجرد قيام علاقات اقتصادية واسعة بين الاقتصاد القومي ومختلف اقتصاديات العالم دون أن تكون مركزة في اقتصاد معين (أو منطقة معينة) فلا يكفي لقيام ظاهرة التبعية الاقتصادية .
وعلى ذلك يمكن أن نحلل التبعية الاقتصادية إلى ثلاثة عناصر وهي :
1- اتساع العلاقات الاقتصادية المختلفة التي تربط الاقتصاد القومي المتخلف بالاقتصاديات المتقدمة بما يضمن اندماج الاقتصاد الأول في هذه الأخيرة .
2- تركز هذه العلاقات الاقتصادية ، بصفة أساسية ، في اقتصاد معين أو في منطقة معينة .
3- تحكم الاقتصاد الذي يسمى " بالاقتصاد المسيطر" (أو بالمنطقة المسيطرة) خلال هذه العلاقات، في الاقتصاد القومي، بحيث يمكنه أن تمارس على هذا الأخير تأثيراً لا يمكن مقاومته .
ومن هنا يتضح لنا بداهة أن الاقتصاديات المتقدمة هي وحدها التي يمكنها أن تسيطر على غيرها . وعادة ما تستند هذه السيطرة الاقتسادية التي يمارسها الاقتصاد المتقدم على الاقتصاد المتخلف إلى ما يكون لهذا الاقتصاد المتقدم من سيطرة سياسية على هذا الأخير . وننتقل الآن إلى دراسة عوامل التبعية (أو السيطرة) .
عوامل التبعية الاقتصادية :
من دراسة التبعية الاقتصادية تخلص إلى أنها وثيقة الصلة بالتخلف ، وإلى أنها هي الأخرى ظاهرة مركبة ، بعنى أنها تستند إلى عوامل متعددة ومع ذلك يمكن أن نرد أهم هذه العوامل إلى أربعة نعرضها فيما يلي :
أولاً : ارتفاع نسبة التجارة الخارجية إلى الدخل القومي مع تركزها في سوق معينة :
رأينا أن البلاد المتخلفة تتخصص ، بصفة أساسية ، في الزراعة أو في الاسخراج ، وهو ما يعني أنها لا تتمتع باقتصاد متكامل ، وما يستتبع بالضرورة ارتفاع حجم الصادرات من المواد الزراعية أو الاستخراجية، وارتفاع حجم الواردات من المنتجات الصناعية ، وما يستتبع أيضاً ارتفاع نسبة التجارة الخارجية إلى الدخل القومي. ويعني هذا الوضع اندماج الاقتصاد المتخلف في الاقتصاديات المتقدمة ، وبالتالي تبعيته لها . وقد يكون اندماج الاقتصاد المتخلف في اقتصاد آخر معين (أو في منطقة اقتصادية معينة) وذلك نظراً لتركيز تجارة البلد المتخلف الخارجية مع هذا الاقتصاد المعين . وبذلك تكون تبعية الاقتصاد القومي لهذا الاقتصاد المعين وحده . ومثل ذلك اندماج الاقتصاد المصري قبل الثورة في الاقتصاد البريطاني .
ثانياً : تحكم السوق الخارجية المتخلفة عادة ما تكون من اقتصاديات المحصول الواحد ، بمعنى أنها تعتمد ف يالتصدير بصفة أساسية على محصول واحد ، وأنها تندمج في الاقتصاديات المتقدمة ، وذلك نتيجة لاتساع العلاقات التجارية بينهما . ونضيف أن الأسواق النامية تتحكم في تحديد ثمن المحاصيل الأساسية التي تصدرها الاقتصاديات المتخلفة إليها ، ومثل ذلك تحكم هذه الأسواق في ثمن البترول وفي ثمن القطن . ومعنى تحكم الأسواق النامية في هذه المحاصيل الأساسية أنها تتحكم في الاقتصاديات التي تعتمد عليها بصفة أساسية ، في التصدير . وهنا يلزم أن نشر إلى أن علاقة التبعية التي تربط الاقتصاد القومي باقتصاد متقدم ما قد لا تعود إلى ما يقوم بينهما من علاقات تجارية ، بل تعود إلى تحكم هذا الاقتصاد المتقدم في السوق التي يباع فيها المحصول الأساسي ، أي تعود إلى تحكم هذا الاقتصاد المتقدم في ثمن المحصول الأساسي ، فقد يحدث أن يتحدد ثمن المحصول الأساسي في سوق خارجية حتى بصرف النظر عن العلاقات التجارية بين الاقتصاد القومي وهذه السوق وذلك إذا كانت هذه السوق تمثل أكبر بائع أو أكبر مستهلك عالمي لهذا المحصول، ومثل ذلك أن الجزء الأكبر من التأثير الذي كان يباشره الاقتصاد الأمريكي على الاقتصاد المصري قبل الثورة لم يكن يعود إلى العلاقات التجارية القائمة بين البلدين ، بل كان يعود إلى تحكم الاقتصاد الأمريكي في سوق القطن وذلك بصفته أكبر منتج وأكبر مستهلك عالمي للقطن .
ثالثاً : ارتفاع نسبة رأس المال الأجنبي إلى رأس المال القومي :
وبالإضافة إلى العاملين السابقي الذكر من عوامل السيطرة الاقتصادية فقد تعود هذه السيطرة التي تمارسها الاقتصاديات المتقدمة على الاقتصاديات المتخلفة إلى ارتفاع نسبة رءوس الأموال الأجنبية المستثمرة في البلاد المتخلفة إلى مجموع رءوس الأموال المستثمرة فيها . ويمكن للاقتصاديات المتقدمة أن تمارس سيطرة واسعة ، عن طريق رءوس أموالها المستثمرة في البلاد المتخلفة ، لأكثر من سبب :
1- تعكس الاقتصاديات المتقدمة التغيرات التي تمر بها على الاقتصاديات المتخلفة عن طريق تأثير هذه التغيرات في حجم رءوس أموالها المستثمرة في هذه الاقتصاديات الأخيرة ، وهو ما يعني إذن خضوع مستوى النشاط الاقتصادي في البلاد المتخلفة للتغيرات التي تحدث في البلاد المتقدمة . وتفصيل ذلك أن الانتعاش الاقتصادي الذي يحدث في البلاد المتقدمة ، وهو يعني ارتفاع المدخرات ، يصطحب بارتفاع حجم رءوس الأموال المصدرة إلى البلاد المتخلفة ، بينما يصطحب الانكماش ، على العكس من ذلك ، ونظراً لما يؤدي إليه من انخفاض المدخرات ، بانخفاض حجم رءوس الأموال المصدرة إلى هذه البلاد المتخلفة .
2- تتحكم الاقتصاديات المتقدمة ، عن طريق توجيه رءوس أموالها ، في نوع النشاط الاقتصادي ، وفي طريقة سيره في البلاد المتخلفة ، ومن البديهي أن يخضع اختيار القطاعات التي تم فيها الاستثمارات الأجنبية لمصالح الاقتصاديات المتقدمة التي تقوم بهذه الاستثمارات ، وهي مصالح تنصرف ، بصفة أساسية ، إلى الابقاء على تبعية الاقتصاديات المتخلفة للاقتصاديات المتقدمة ، أي إلى الابقاء على تخصيص البلاد المتخلفة في انتاج المواد الأولية ( الزراعية أو الاستخراجية ) ولذلك نجد أن رءوس الأموال الأجنبية تتجه إلى تدعيم هذا التخصص ، وهو ما يستلزم منها بداهة عدم اشتراكها في تنمية الصناعات في البلاد المختلفة ، واقتصارها ، بصفة أساسية ، على إنتاج المواد الأولية ، وعلى التجارة الخارجية .
3- ويتصل بالإعتبار السابق حرص رءوس الاموال الأجنبية ، رغبة منها في ضمان سيطرة الاقتصاديات المتقدمة على الاقتصاديات المتخلفة التي تستثمر فيها ، على السيطرة على القطاعات الاقتصادية الأساسية وخاصة البنوك وشكات التأمين . ولذلك نجد أن جهاز الإئتمان (البنوك وشركات التأمين) في البلاد المتخلفة جهاز أجنبي في غالبيته ، وهو ما كانت عليه الحال في مصر حتى سنة 1957 .
ومن المنطق إذن أن يخضع هذا الجهاز الاجنبي في سياسته للمصالح الأجنبية كما تحددها له أجهزة الائتمان الأجنبية التي قامت بإنشائه . فعن طريق سيطرة رءوس الأموال الاجنبية على البنوك وشركات التأمين ، وهي أجهزة جمع المدخرات وخلق الائتمان ، يمكن للاقتصاديات المتقدمة التحكم في نوع النشاط الاقتصادي القائم في البلاد المتخلفة ، ويمكنها بالتالي الإبقاء على تخصص هذه البلاد في انتاج المواد الأولية . ونزولاً على ذلك نجد أن جهاز الائتمان في البلاد المتخلفة يقتصر على تمويل انتاج المواد الأولية وعلى التجارة الخارجية .
4- تصدير جزء من الدخل المحلي يمثل مكافآت رأس المال الاجنبي (الفوائد والعوائد والأرباح) إلى الخارج ، وهو ما يشكل عبئاً على ميزان المدفوعات. ويزيد من خطورة تصدير جزء من الدخل المحلي إلى خارج ما اعتادت عليه شركات التأمين من إعادة التأمين في الخارج ، وما اعتادت عليه البنوك الأجنبية التي تعمل في البلاد المتخلفة من توظيف فائض أموالها في الخارج في الوقت الذي لا تحتاج فيه إلى هذه الأموال لتمويل انتاج المواد الأولية ، أو لتمويل التجارة الخارجية .
رابعاً : السيطرة النقدية :
قدمنا أن البلاد المتخلفة تعتمد في التصدير بصفة أساسية على محصول واحد وأنها عادة ما تعتمد في تصريف هذا المحصول على سوق بلد واحد أو على سوق منطقة واحدة بحيث تشكل التجارة الخارجية مع هذه السوق نسبة مرتفعة من الدخل القومي . ويترجم هذا الوضع بتبعية الاقتصاديات، المتخلفة للاقتصاديات المتقدمة . ومن المنطقي أن ينعكس هذا الوضع في النظم النقدية القائمة في البلاد المتخلفة ، وأن يعطي للتجارة الخارجية سيطرة واسعه عليها ، وأن يجعل منها بالتالي نظماً تابعة لتلك القائمة في البلاد المتقدمة . ويمكن ان نرد عوامل السيطرة النقدية (وبالتالي عوامل التبعية النقدية) إلى ثلاثة وهي :
1- تثبيت سعر الصرف بين العملة الوطنية (للبلد التابع) وعملة البلد المسيطر.
2- حرية التحويل الآلي بين العملة الوطنية وعملة البلد المسيطر .
3- دخول عملة البلد المسيطر في غطاء إصدار العملة الوطنية .
(أ) تستلزم اعتبارات سهولة القيام بالتبادل التجاري بين البلد التابع والبلد المسيطر ، وهو تبادل بالغ الأهمية على ما تقدم ، تثبيت سعر الصرف بين عملتي هذين البلدين ، ذلك أن تقلبات هذا السعر تعرض التبادل التجاري بين البلدين لتقلبات شديدة . ولذلك يصبح البلد التابع ، رغبة منه في عدم إعاقة تجارته الخارجية مع البلد المسيطر ، وتحت تأثير الضغط السياسي أيضاً ، مضطراً إلى تثبيت سعر الصرف بين عملته وعملة البلد المسيطر ، أي إلى إقامة علاقة ثابتة بين هاتين العملتين.
(ب) كما يحرص البلد المسيطر على قيام حرية التحويل بين عملته وعملة البلد التابع له حتى يسهل عليه دفع مشترياته من المواد الأولية من البلد التابع ، كما لو كان من حقه أن يدفع في هذا البلد التابع بعملته هو .
(ج) وتستلزم حرية التحويل بداهة بين عملة البلد المسيطر وعملة البلد التابع أن يحتفظ البلد التابع ، لمواجهة طلبات التحويل ، برصيد من عملة البلد المسيطر يودعه عادة في غطاء الإصدار الوطني . ومن هنا تنشأ عادة علاقة قانونية بين الإصدار الوطني وعملة البلد المسيطر .
وتعني هذه العوامل الثلاثة المترابطة أن تتخذ العملة الوطنية من عملة البلد المسيطر "قاعدة نقدية" لها ، وأن يصبح النظام النقدي الوطني تابعاً للنظام النقدي في البلد المسيطر ، بل وتابعاً للنظام الاقتصادي المسيطر في مجموعة .
وبالإضافة إلى هذه الصورة السابقة الذكر من التبعية النقدية فقد تتخذ هذه التبعية صورة أكثر سفوراً ، وذلك بأن يتكون النقد المتداول في البلد المتخلف من نقد البلد المسيطر أو من نقد آخر تابع له .
أثر السيطرة :
تباشر الاقتصاديات المتقدمة أثر السيطرة على البلاد المتخلفة المندمجة فيها عن طريق انعكاس التغيرات التي تحدث في الدخل القومي في البلاد المتقدمة في طلبها على المواد الأولية التي تستوردها من البلاد المتخلفة ، وفي ثمن هذه المواد الأولية . ويفسر ذلك بالأهمية الكبيرة التي يحتلها تصدير المواد الأولية في الدخل القومي في هذه البلاد الأخيرة . ويزيد من هذه الأهمية انخفاض الإنفاق على الاستثمار ، والانفاق الحكومي في هذه البلاد بحيث يصبح التصدير ، وهو ينحصر بصفة أساسية في المواد الأولية ، المتغير الأساسي الذي يحدد الدخل القومي . وعلى ذلك يمكن أن نخلص إلى أن التغيرات الدورية التي تمر بالبلاد المتخلفة التابعة للاقتصاديات المتقدمة غالباً ما تكون تغييرات منعكسة عن هذه الاقتصاديات الأخيرة . ويزيد من خطورة هذه التغيرات المنعكسة أن الطلب على المواد الأولية شديد المرونة بالنسبة للتغييرات التي تحدث في الدخل القومي في البلاد المتقدمة ، وأن أثمان المواد الأولية أشد تقلباً من أثمان المنتجات المصنوعة .
وحتى يمكننا أن ندرس أثر التغييرات التي تمر بالبلاد المتقدمة في البلاد المتخلفة يكون من الضروري أن نفرق بين حالتي الانتعاش والانكماش .
1- فإذا ساد الرخاء الأسواق النامية فإن ذلك يعني زيادة الانتاج القومي بها ، وهو ما يستتبع بالضرورة زيادة الطلب على المواد الأولية التي تستوردها من البلاد المتخلفة المندمجة فيها ، ويؤدي ذلك إلى زيادة تصدير هذه البلاد للمواد الأولية ، وإلى ارتفاع أثمان هذه المواد ، وهو ما يعني بالتالي ارتفاع الدخل القومي لهذه البلاد المتخلفة . ويستتبع ارتفاع الدخل القومي في هذه البلاد زيادة استرادها من البلاد المتخلفة ، وارتفاع الطلب المحلي على سلع الاستهلاك . ويؤدي ارتفاع استيراد البلاد المتخلفة من البلاد المتقدمة إلى أن جزءاً من الزيادة التي تحققها البلاد المتخلفة في حصيلة الصادرات يعود إلى البلاد المتقدمة في شكل ارتفاع أثمان الواردات، كما يؤدي ارتفاع الطلب المحلي ، مع عدم مرونة العرض الكلي لسلع الاستهلاك نظراً لضعف الجهاز الانتاجي ، إلى حدوث التضخم ، وارتفاع الأثمان.
ومن هنا يتضح أن الانتعاش الذي يحدث في البلاد المتقدمة إنما ينصرف أثره، في البلاد المتخلفة ، إلى ارتفاع الاستيراد ، وإلى حدوث التضخم .
2- وأما في حالة حدوث الانكماش في البلاد المتقدمة فيحدث عكس الآقار السابقة ، ذلك أن الانكماش يعني انخفاض الإنتاج القومي في البلاد المتقدمة ، وهو ما يستتبع بالضرورة انخفاض الطلب على المواد الأولية التي تستوردها من البلاد المتخلفة ، ويستتبع أيضاً انخفاض ثمن هذه المواد الأولية ، وهو ما يعني بالتالي انخفاض الدخل القومي في البلاد المتخلفة . ويؤدي انخفاض الدخل القومي في هذه البلاد إلى انخفاض الطلب المحلي على السلع الوطنية ، وهو ما يعني حدوث الانكماش في البلاد المتخلفة .
ويزيد من أهمية هذه التقلبات المنعكسة كما قدمنا أن أثمان المواد الأولية أشد تقلباً من أثمان المنتجات الصناعية . ففي فترات الرخاء ترتفع أثمان المواد الأولية بنسبة أكبر من نسبة ارتفاع أثمان المنتجات الصناعية ، هذه بينما نجد أن هذه الأثمان تنخفض في فترات الانكماش بنسبة أكبر من نسبة انخفاض المنتجات المصنوعة . ولما كانت البلاد المتخلفة تعتبر مصدراً للمواد الأولية ومستورداً للمواد المصنوعة . فإن ذلك يعني تحسن معدل التبادل في صالح البلاد المتخلفة في فترات الرخاء ، وانخفاض هذا المعدل في غير صالح هذه البلاد في فترات الانكماش . ومع ذلك فقد شهدت السنوات الأخيرة ، وعلى الرغم من انتعاش الاقتصاديات المتقدمة ، اتجاه معدل التبادل في غير صالح البلاد المصدرة للمواد الأولية ، وذلك نتيجة لتحكم الاحتكارات الدولية في الطلب على المواد وفي أثمانها .
الاتجاه نحو السيطرة :
حينما تحقق الاقتصاد القومي بدرجة كبيرة من النمو والتقدم فإنه يتجه إلى السيطرة على الخارج ، ذلك أن السوق الداخلية تصبح ، نتيجة للنمو وللتقدم ، غير كافية لاستيعاب الإنتاج الضخم. وإذا ما راجعنا تاريخ الرأسمالية وجدنا أن الرأسماليات الضخمة كانت تتجه جينما تصل إلى حد معين من التقدم إلى السيطرة على الخارج . ولقد وضح ذلك من مسلك الرأسمالية البرتغالية والهولندية والانجليزية . ولقد دعت هذه الظاهرة "ليننين" إلى القول بأن الاستعمار هو أعلى مراحل الرأسمالية. ولكن لا يصح الظن أن السيطرة تأخذ دائماً شكل الاستعمار .
ويؤدي تسابق الدول إلى السيطرة إلى قيام صراع بينها . وهذا هو ما يفسر مثلاً الحرب العالمية الثانية . فيما كانت مشكلة اقتصاد الولايات المتحدة محاولة لاتساع السوق الداخلية ، وكانت مشكلة الاقتصاد الانجليزي محاولة بسبب السوق الواسعة التي قدمتها المستعمرات البريطانية ، كانت ألمانيا تعاني من عدم قدرتها على تصريف منتجاتها وذلك لضيق السوق الداخلية ، ولضياع مستعمراتها . ويفسر هذا صرخة هتلر "التصدير أو الموت" .
ولقد أدى هذا الوضع بألمانيا إلى إعلان الحرب العالمية الثانية ، وكان ذلك نتيجة لنمو وتقدم الاقتصاد الألماني في الداخل ، ولميله نحو السيطرة في الخارج .
ولقد احتلت البرتغال مركز السيطرة في القرن السادس عشر نتيجة لقوة أسطولها الذي مهد القيام بتجارة ضخمة . ثم خلت مكانها في القرن السابع عشر لهولندا التي كانت تتمتع باسطول ضخم.
ولقد سجل التاريخ التغير المستمر في دائرة السيطرة وفي شخص المسيطر . فقد تقتصر سيطرة الاقتصاد القومي على بلد واحد وقد تعم بلاداً متعددة . ولقد احتلت البرتغال وهولندا في صدر الرأسمالية مركز السيطرة نتيجة لاتساع تجارتهما مع المستعمرات . ثم صعدت انجلترا إلى هذا المركز نتيجة للورة الصناعية ، ثم أخذت الولايات المتحدة تحل محلها في مركز السيطرة ابتداء من سنة 1920 . وانتهى العالم الآن بأن أصبح قسمة بين اقتصادين مسيطرين هما اقتصاد الولايات المتحدة الذي يحتل مركز السيطرة في العالم الغربي ، واقتصاد الاتحاد السوفيتي الذي يحتل مركز السيطرة في العالم الشيوعي .
ونفضل حتى يمكننا أن نبين مقومات السيطرة الاقتصادية أن نحلل موقف اقتصاد الولايات المتحدة بصفته اقتصاداً مسيطراً على الاقتصاديات الغربية، وعلى جانب كبير من الاقتصاديات المتخلفة.
اقتصاد الولايات المتحدة اقتصاد مسيطر :
بدأت الولايات المتحدة في النمو في القرن التاسع عشر والقرن العشرين إذ سجل هذان القرنان زيادة كبيرة في السكان ، وفي الإنتاج . وتمكنت الولايات المتحدة من الانتقال خلال سنة 1860 وسنة 1900 من الصف الرابع إلى الصف الأول بين الدول الصناعية . ومع ذلك فلقد ظلت أمريكا مدينة لدول أوربا حتى سنة 1917 ، ثم أخذت ابتداء من سنة 1920 في في الصعود نحو مركز السيطرة الاقتصادية .
ولقد يسرت لها ذلك مقومات عدة نذكر أهمها فيما يلي :
(1- الدخل القومي للولايات المتحدة يمثل ثلث دخل العالم ) فلقد أنتجت الولايات المتحدة في سنة (1950) 41.8% من فحم العالم و 55.6% من البترول و 38.3% من الكهرباء و 59% من الصلب .
وتتراوح الاستثمارات الصافية السنوية بتقدير سنة 1950 ما بين 30-45 مليار دولار، بينما يبلغ ما يلزم لتنمية البلاد المتخلفة في العالم ، والتي يبلغ سكانها عشرة أضعاف سكان الولايات المتحدة ، ما يقرب من 19 مليار دولار سنوياً .
2- تمثل تجارة الولايات المتحدة الخارجية نسبة كبيرة من مجموع التجارة الدولية ( بلغت واردات الولايات المتحدة سنة 1952 (14.6%) من الواردات العالمية ، وبلغت صادراتها (20.4%) من الصادرات العالمية ، بينما لا تمثل واردات وصادرات الولايات المتحدة لنفس السنة إلا 3.7% و5.4% على التوالي من دخلها القومي. ويبين انخفاض نسبة الواردات والصادرات إلى الدخل القومي مدى استقلال الولايات المتحدة من الناحية الاقتصادية ، بينما بين ارتفاع هذه النسبة إلى التجارة العالمية بمقدار سيطرة هذه البلاد على الدول الأخرى .
3- ارتفاع احتياطي الولايات المتحدة من الذهب والعملة الصعبة إذ يبلغ هذا الاحتياطي 60% مما لدى العالم . فقد بلغ ما لديها من ذهب 22396 مليون دولار في فبراير 1957 .
(4- تصدير رؤوس الأموال الأمريكية إلى الخارج ) توسعت الولايات المتحدة وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية في تصدير رؤوس الأموال إلى الخارج ، وذلك إما في شكل إعانات وإما في شكل استثمارات . ولقد ارتفعت الاستثمارات الخاصة الأمريكية في الخارج من 12490 مليون دولار سنة 1939 إلى 31480 مليون دولار إلى 56000 مليون دولار في نهاية 1961 .
ولقد أدى هذا الوضع إلى سيطرة الولايات المتحدة على أوربا الغربية، وعلى كثير من البلاد المتخلفة . ومن الملاحظ أن هذه السيطرة تعود إلى اتساع الرقعة الجغرافية ، وإلى زيادة عدد السكان ، وإلى تقدم الفن الإنتاجي. ولقد أخرج الولايات المتحدة من عزلتها التقليدية التقدم الذي حققه جهازها الإنتاجي مما اضطرها إلى البحث عن أسواق خارجية لتصريف منتجاتها .
التخلص من التبعية الاقتصادية :
1- رأينا أن التبعية تعود بصفة أساسية إلى أربعة عوامل ، وأن هذه العوامل تعود في حقيقتها إلى التخلف الاقتصادي . ولذلك يكون من الضروري ، رغبة في التخلص من التبعية ، أن يعمل البلد التابع على تنمية اقتصاده القومي . ويكون ذلك بصفة أساسية برفع مستوى الإنتاج القومي ، وبتنويعه ، وخاصة عن طريق التوسع الصناعي ، إذ أن هذا التوسع الصناعي يمكن السوق المحلية من أن تستوعب جزءاً كبيراً من المواد الخام المخصصة للتصدير ، كما أنه يقلل من استرداد المنتجات الأجنبية ، ويضمن بذلك للاقتصاد القومي نوعاً من الاكتفاء الذاتي ، وبالتالي من الاستقلال في مواجهة الاقتصاديات الأجنبية .
2- وبالإضافة إلى ذلك يلزم ، رغبة في التخلص من سيطرة بلد معين أو منطقة معينة ، أن يلجأ البلد التابع إلى إعادة توزيع تجارته الخارجية بين مختلف المناطق والبلاد بحيث يمنع تركزها مع بلد واحد أو منطقة واحدة .
3- كما يلزم أيضاً أن يعمل الاقتصاد القومي على أن تكون الاستثمارات الأساسية في البلاد مملوكة للوطنيين حتى يضمن لنفسه القدرة على توجيهها في صالحه ، وحتى يقلل من الأرباح التي تحول إلى الخارج لحساب الأجانب .
ولقد لجأت مصر ، في سبيل دعم استقلال الاقتصاد القومي ، إلى تنويع الإنتاج القومي ، وخاصة عن طريق التوسع الصناعي : وإلى تنويع التجارة الخارجية جغرافياً بحيث لا تتركز في منطقة واحدة .
وبالإضافة إلى ذلك لجأت مصر عن طريق التمصير والتأميم ، إلى تخليص رأس المال من السيطرة الأجنبية ففي 26 يوليو 1956 أممت مصر شركة قناة السويس ثم لجأت في يناير 1957، وإثر العدوان الثلاثي عليها ، إلى تمصير البنوك، وشركات التأمين ، والوكالات التجارية الخارجية وذلك نظراً لأهميتها في توجيه الاقتصاد القومي ، ثم جاءت حركة التأميم الواسعة ابتداء من يوليو 1961 ثم أغسطس ونوفمبر 1963 ومارس 1964.
فخلصت الاقتصاد القومي بصفة نهائية من سيطرة رؤوس الأموال الاجنبية .
نظرية التجارة الدولية 
1- الفكر التقليدي 
يتكون الفكر التقليدي في مجال نظرية التجارة الدولية من النظرية التقليدية والنظرية التقليدية الجديدة ، وقد ظهرت النظرية التقليدية في التخصص الدولي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ، وهذه هي نظرية النفقات النسبية ، ومن أهم أقطاب هذه النظرية الكتاب الإنجليز رواد المدرسة التقليدية في الاقتصاد : آدم سميث وديفيد ريكاردو وجون ستيوارت ميل . ثم ظهرت النظرية التقليدية الجديدة أو نظرية هشكر – أولين خلال الثلث الأول من القرن العشرين ، وهي النظرية التقليدية الجديدة أو نظرية نسب العناصر .
وقد نشأت النظرية التقليدية كرد فعل لمذهب التجاريين ، والذي كان ينادي بضرورة أن تفرض الدولة القيود على التجارة بغية الحصول على أكبر كمية من المعدن النفيس (الذهب والفضة) ، حيث كان الأخير يعتبر مقياس قوة الدولة في ذلك الوقت . إزاء هذا المناخ الفكري نشأت النظرية التقليدية ، حاملة لواء حرية التجارة ، ومبينة أن قوة الدولة لا تقاس بما لديها من معدن نفيس فقط وإنما أيضاً بما لديها من ثروة حقيقية ممثلة في الأراضي والمنازل وسلع الاستهلاك وقد أوضحت أن حرية التجارة هي السبيل لزيادة ثروة البلاد وبالتالي قوتها . ومن هنا كانت حرية التجارة ، في نظر التقليديين ، أفضل من عدم حرية التجارة .
نظرية النفقات النسبية :
وسوف نبدأ مناقشتنا بسرد أهم الفروض التي تقوم عليها بعد ذلك نتناول صياغتها في شكل مبدأ النفقات المطلقة على يد آدم سميث . ثم صياغته ديفيد ريكاردو لمبدأ النفقات النسبية .
فروض النظرية التقليدية :
تقوم النظرية التقليدية على عدة فروض ، أهمها :
الفرض الأول : إن عناصر الإنتاج تتمتع بحرية الانتقال داخل البلد الواحد ، ولكن ليس بين البلاد المختلفة ، وهذا يعني عدم حواجز إدارية أو تنظيمية أمام انتقال عناصر الإنتاج داخل أي دولة . والمقصود بالحواجز الإدارية تلك القيود التي توضع على الانتقال بين الوحدات الإدارية المختلفة . أما الحواجز التنظيمية فالمقصود بها تلك القيود التي تفرضها النقابات المهنية والحرفية ، ويصبح في مقدور عناصر الإنتاج القابلة للانتقال أن تتحول من نشاط إنتاجي إلى آخر ومن مكان إلى آخر داخل الدولة سعياً وراء العائد الأعلى . هذه الحالة تعرف بحالة المنافسة الكاملة في سوق عناصر الإنتاج ولا يتحقق ذلك الانتقال بين البلاد .
الفرض الثاني : إن قيمة مبادلة أي سلعة تتحدد كلية بكمية العمل المتضمنة فيها . وتعرف هذه بنظرية العمل في القيمة وهي من دعائم المدرسة التقليدية في الفكر الاقتصادي . فكما يقول "آدم سميث" إن العمل هو المقياس الحقيقي للقيمة التبادلية لجميع السلع .
وليس يعني ذلك أن تتحدد السلعة قيمة أو ثمن مساو لكمية العمل المبذول في إنتاجها، وإنما يعني ، كما يقرر ريكاردو ، إن نسبة المبادلة بين أي سلعتين تساوي نسبة ما بذل من إنتاجهما من عمل.
الفرض الثالث : إن آلية المواءمة عن طريق العلاقة بين كمية المسكوكات ومستوى الأسعار تضمن توازن ميزان المدفوعات ، فإذا كانت قيمة صادرات دولة ما أكبر من قيمة وارداتها من الدول الأخرى ، فإن الأولى تحصل على الفرق في شكل مسكوكات (ذهب أو معدن نفيس) ويؤدي هذا إلى زيادة كمية النقود فيها فترتفع الأسعار والأجور فتقل الصادرات وتزيد الواردات حتى يتحقق التوازن .
الفرض الرابع : أن كمية الموارد المتاحة معطاة ، فلا تتأثر بالتبادل ، وفي حالة تشغيل كامل وبالتالي فأن أثر التجارة ينحصر في إعادة تخصيص الموارد .
بعد تحديد أهم فروض النظرية التقليدية في التجارة الدولية ننتقل إلى مناقشة مضمون النظرية ، وسنحاول هنا تتبع التطور التاريخي لها تسهيلاً للعرض .
النفقات المطلقة – "آدم سميث" .
تحدث "آدم سميث" في كتابه ثروة الأمم عن فوائد حرية التجارة ، فأوضح أن حرية تتيح للبلد الإفادة من مزايا تقسيم العمل لأنها توسع حجم السوق ، ولقد جاء "آدم سميث" عن حرية التجارة في معرض هجومه على ما أسماه "النظام الميركانتيلي" ، وأساس دفاعه عن حرية التجارة بين الدول هو أنه إذا كان في مقدور بلد أجنبي أن يمدنا بسلعة أرخص مما لو انتجناها نحن ، فلنشتريها منه ببعض صناعتنا . أي إن "آدم سميث" يرى أن وجود فرق بين نفقة الإنتاج في بلدين شرط كاف لقيام التجارة بينهما . وهذا هو المبدأ المعروف بمبدأ النفقات المطلقة ، فاختلاف النفقات المطلقة يشكل أساساً للتخصص وتقسيم العمل الدولي .
ولكن لم يخطر ببال سميث أنه حتى وأن كان أحد البلدين يحقق تفوقاً مطلقاً عن الأخر في إنتاج كل من السلعتين ، فليس معنى ذلك بالضرورة انتقاء الدافع إلى التجارة، وهو تحقيق نفع أكبر ، ولقد أوضح "ديفيد ريكاردو" أنه حتى في هذه الحالة ، قد يكون هناك مجال للنفع من التجارة ، إذ يتوقف الأمر على اختلاف النفقات النسبية وليس النفقات المطلقة – ولقد كان تصحيح هذا التصور الخاطئ هو الإسهام الحقيقي لريكاردو وهو بحق أحد أعلام المدرسة التقليدية في التجارة الدولية .
النفقات النسبية – "ديفيد ريكاردو"
قلنا أن ريكاردو يرى أن اختلاف النفقات المطلقة ليس كافياً لقيام التجارة الدولية وأنه يلزم اختلاف النفقات النسبية لقيامها ، فما هو المقصود بالنفقات النسبية ؟ يقصد بها:النسبة بين نفقة الإنتاج لنفس السلعة في البلدين .
توازن التجارة ومعدل التبادل الدولي :
في محاولته للإجابة على السؤال السابق قدم جون ستيوارت ميل ما يعرف باسم نظرية القيم الدولية. ومؤدي هذه النظرية هو أن نسبة التبادل التي تسود في السوق الدولية تتوقف على الطلب المتبادل من البلدين . ولتوضيح هذه النظرية نشرح أولاً كيفية اشتقاق منحنى الطلب المتبادل في صورته الحديثة على يد "جيمس ميد" ، ويوضح المنحنى الكمية من أحدى السلعتين التي يكون البلد على استعداد لمبادلتها بكمية من السلعة الأخرى عند الأسعار النسبية المختلفة . وهو يبين تفصيلات المجتمع بين السلعتين.
هكشر – أولين ومعطيات الموارد 
رأينا في عرضنا ريكاردو في التجارة الدولية أن التبادل الدولي يقوم عندما تختلف النفقات النسبية للإنتاج في البلد المتخلفة ، سواء تمثلت في نفقات العمل وحده أو عناصر الإنتاج مجتمعة – لكن هذه النظرية لا توضح أسباب اختلاف النفقات النسبية بين هذه البلاد . أي أنها تحدد لنا متى تقوم التجارة الدولية ولكنها لا تفسر لنا لماذا تقوم هذه التجارة . فهي إذن تصف حالة مشاهدة ولا تفسرها ، لقد كانت مهمة تقديم هذا التفسير من نصيب الكاتبين السويديين إلى هكشر وبرتل أولين.
يذهب هشكر- أولين إلى أن التجارة الدولية تقوم عند اختلاف النفقات النسبية – لكنهما يضيفان أن اختلاف النفقات النسبية يرجع إلى اختلاف معطيات الموارد أي الوفرة أو الندرة النسبية لعناصر الإنتاج . وقبل أن نتناول هذه النظرية بالشرح والتحليل دعنا نحدد الفروض التي تقوم عليها أولاً.
الفروض التي تقوم عليها نظرية هكشر – أولين .
لا يلتزم هكشر – أولين والمحدثون بفرض التقليديين أن قيمة السلعة تتحدد بكمية العمل المبذول في إنتاجها – لذلك سنسقط هذا الفرض من قائمة فروض التقليديين .
ويضيف هكشر – أولين والمحدثون إلى الفروض الباقية في هذه القائمة ما يلي :
- إن التكنولوجيا المتاحة لإنتاج نفس السلعة واحدة بالنسبة للمنتجين في البلد الواحد. فدوال الإنتاج بالنسبة لأي سلعة أذن واحدة في البلد الواحد . وقد تكون كذلك بين البلاد المختلفة وقد لا تكون .
- إن السلع المختلفة تتفاوت من حيث كثافة استخدامها لعناصر الإنتاج .
- إن أذواق المستهلكين معطاة ، بحيث أنه لن يترتب على التجارة الدولية أي تغير في هذا الأذواق ، وأن الأذواق لا تختلف كثيراًَ من بلد لآخر .
- إن نمط توزيع الدخل معطاة ومعروف في البلاد المختلفة .
نظرية نسب عناصر الإنتاج :
إن التفسير الذي جاء به هكشر – أولين للميزة النسبية وبالتالي لقيام التجارة الدولية ، بعد كل هذه الفروض ، هو اختلاف الوفرة أو الندرة النسبية لعناصر الإنتاج بين البلاد المختلفة . فهناك بلاد يتوافر فيها عنصر العمل بالنسبة للعناصر الأخرى (كالأرض ورأس المال) بدرجة أكبر من توافره في البلاد الأخرى . وثمة بلاد يتوافر فيها عنصر الأرض بالنسبة للعناصر الأخرى بدرجة أكبر من توافره في البلاد الأخرى . وقد يصدق نفس الشيء على رأس المال . فيتوافر بالمقارنة بالعناصر الأخرى في بلد معين أكثر من غيره من البلاد. وعندما يكون بلد غنياً بأحد عناصر الإنتاج بالمقارنة بغيره من البلاد، فإن هذا البلد يكون في وضع أفضل من هذه البلاد فيما يتعلق بالقدرة على إنتاج السلع التي تحتاج إلى هذا العنصر بدرجة أكبر من غيره. وطالما أن السلع تتفاوت من حيث درجة احتياجها لعناصر الإنتاج المختلفة ، أي من حيث كثافة استخدامها للعناصر المختلفة ، فإن مكونات النظرية تكون قد اكتملت لدينا .
فالبلاد تتفاوت من حيث ما لديها من عناصر الإنتاج ، لا بصورة مطلقة ولكن بصورة نسبية ، فهناك بلاد غنية بالأرض وأخرى غنية برأس المال وثالثة غنية بعنصر العمل . والسلع تتفاوت من حيث كثافة استخدامها لعناصر الإنتاج المختلفة ، فهناك سلع كثيفة الأرض وأخرى كثيفة رأس المال وثالثة كثيفة العمل ، وعلى ذلك فالبلاد الغنية بعنصر رأس المال يكون لها ميزة نسبية في إنتاج السلع كثيفة رأس المال ، والبلاد الغنية بعنصر العمل يكون لها ميزة نسبية في إنتاج السلع كثيفة العمل . فالتجارة الدولية تقوم على الميزة النسبية ، تلك الميزة التي تتوقف على نسب قوافر عناصر الإنتاج في البلاد المختلفة ، ومن هنا كانت تسمية النظرية بنظرية نسب العناصر ، ولعله قد تكشف للقارئ من العرض المتقدم ، إن حركة السلع إنما تقوم مقام حركة عناصر الإنتاج ، فبدلاً من أن يقوم البلد بتصدير عناصر الإنتاج التي تتميز بوفرة نسبية لديه ، فإنه يقوم باستخدام هذه العناصر في إنتاج السلع الكثيفة في استخدامها ، محققاً بذلك ميزة نسبية على غيره من البلاد ، ويصدر هذه السلع بدلاً من العناصر .
اختبار نظري هكشر – أولين واقعياً :
منذ صياغة نظرية هكشر – أولين ، أو نظرية نسب عناصر الإنتاج في الثلث الأول من هذا القرن ، ظهرت عدة محاولات لاختبار صحتها . والاختبار في هذا النطاق يعني مقارنة النتائج التي تقول بها النظرية ، فيما يتعلق باتجاه وتكوين التجارة الدولية ، بما هو مشاهد في الواقع . والنتيجة الأساسية لنظرية هكشر – أولين أو نظرية نسب عناصر الإنتاج هي أن البلد الذي يتمتع بوفرة نسبية في العمل سينتج السلع كثيفة العمل ... وهكذا .
وبمقتضى فرض تماقل أذواق المستهلكين في البلاد المختلفة ، تتنبأ النظرية بأن البلد الذي يتمتع بوفرة نسبية في عنصر معين للإنتاج سيصدر السلع الكثيفة في استخدام هذا العنصر .
ومن أبرز المحاولات التي جرت لاختبار صحة نظرية هكشر – أولين تلك المحاولة التي قام بها ليونتيف . وقد قام فيها بتقدير كمية العمل ورأس المال المطلوب لإنتاج ما قيمته مليون دولار من سلع الصادرات والسلع المنافسة للواردات في الولايات المتحدة ، واستخدام في التقدير جدول مدخلات مخرجات للاقتصد الأمريكي لعام 1947.
إن إنتاج ما قيمته مليون دولار من الصادرات الأمريكية يحتاج إلى كمية من رأس المال مقدارها حوالي 2.6 مليون دولار ، وإلى كمية من العمل مقدارها حوالي 182 ألف عامل. وإنتاج ما قيمته مليون دولار من السلع المنافسة للواردات يحتاج إلى كمية من رأس المال مقدارها حوالي 3.1 مليون دولار ، وإلى كمية من العمل مقدارها حوالي 170 ألف عامل .
وعلى ذلك تحتاج وحدة الصادرات إلى ما قيمته 14 ألف دولار من رأس المال لكل عامل ، بينما تحتاج وحدة السلع المنافسة للواردات إلى ما قيمته 18 ألف دولار من رأس المال لكل عامل .
وأن وحدة الصادرات تحتاج لكمية من رأس المال أقل مما تحتاجه وحدة السلع المنافسة للواردات، وأن وحدة الصادرات تحتاج لكمية من العمل أكبر مما تحتاجه وحدة السلع المنافسة للواردات . أي أن البيانات الواردة توضح إن صادرات الولايات المتحدة كثيفة العمل ، وأن السلع المنافسة لوارداتها كثيفة رأس المال . ويستنتج ليونتيف من ذلك أن "اشتراك أمريكا في التقسيم الدولي للعمل إنما يقوم على أساس تخصصها في فروع الإنتاج كثيفة العمل لا كثيفة رأس المال" ، ويستطرد  "إن الرأي الشائع بأن اقتصاد الولايات المتحدة – بالمقارنة ببقية العالم – يتميز بفائض نسبي في رأس المال ونقص نسبي في العمل ثبت أنه خاطئ. وفي الحقيقة ، فإن العكس هو الصحيح ". وكان ليونتيف لا يستخدم الواقع للحكم على النظرية ، بل يستخدم النظرية للحكم على الواقع ! ولا شك أن هذا المنطق معكوس في مجال اختبار صحة النظريات العلمية .
ومهما قيل عن محاولة ليونتيف (وهي معرفة أيضاً بلغز ليونتيف) فهي محاولة رائدة في هذا المجال . فلقد فتحت الباب لعدد من الدراسات تناولت بلاداً أخرى. وتكتفي هنا بذكر هذه المحاولات دون الدخول في تفاصيلها . فقد قام "شارادواج" بدراسة عن الهند منها أن الهند تصدر سلعاً كثيفة رأس المال وتستورد سلعاً كثيفة العمل – إلا في تجارتها مع الولايات المتحدة حيث تنقلب الآية . وفي دراسة عن التجارة الخارجية لليابان قام بها "تاتيموتو وايشيمورا" ، اتضح أن اليابان تصدر سلع كثيفة رأس المال وتستورد سلعاً كثيفة العمل ، وهناك أخيراً الدراسة التي أجرها "ستولبر و روز كامب" عن تجارة ألمانيا الشرقية مع بقية دول شرق أوربا ، والتي اتضح منها أن صادرات ألمانيا الشرقية كثيفة رأس المال وأن وارداتها كثيفة العمل .
ومعظم الدراسات السابقة لا تؤيد نظرية هكشر – أولين . فهل معنى ذلك أنها نظرية خاطئة ؟ هنا يجب أن نفرق جيداً بين خطأ النظرية وعدم انطباق النظرية . فإذا كان الاستنتاج المنطقي من المقدمات أو الفروض قد تم بصورة سليمة نقول أن النظرية صحيحة ، وإلا فإنها تكون خاطئة . ومن ناحية أخرى إذا كانت الفروض المبنية عليها النظرية فروضاً واقعية نقول أن النظرية تنطبق. وفي الحالة وفي الحالة العكسية نقول أنها لا تنطبق .
بناء على هذه التحديدات نقول أن نظرية هكشر – أولين صحيحة منطقياً لكنها لا تنطبق علمياً. لقد ركزت النظرية على جانب العرض وأهميته في قيام التبادل الدولي ولكنها أهملت جانب الطلب وتأثيره على نمط هذا التبادل . ونزيد الأمر تفصيلاً . فالنظرية ، طبقاًَ لصياغتها المبسطة ، تفترض تماثل أذواق المستهلكين في البلدين ، وهي بهذا الفرض توصد الباب أمام عوامل الطلب . 
إذ طالما أن الدول تنتج السلع الكثيفة في استخدام العنصر المتوافر نسبياً لديها ، وطالما أنه لا توجد بين الدول فروق جوهرية في أذواق المستهلكين (بحكم الفرض السابق للنظرية) ، فلابد أن تصدر الدول السلع الكثيفة في استخدام العنصر المتوافر نسبياً لديها . وربما خطر للقارئ أن يتساءل: ما مدى واقعية هذا الفرض ؟ والواقع أن هذا الفرض تقريباً معقولاً ، وبالتالي مقبولاً ، للواقع في حالة دولتين ليس بينهما تفاوت كبير من حيث مستوى دخل الفرد . ولكن متى كان هناك مثل هذا التفاوت فإن الفرض يصبح غير واقعي ، وبالتالي غير مقبول . فمن غير المعقول أن تكون أذواق المستهلكين في بلد مثل مصر ذاتها أذواق المستهلكين في بلد مثل الولايات المتحدة ، على ما بينهما من تفاوت شديد في متوسط دخل الفرد بالإضافة إلى العوامل الأخرى الاجتماعية والثقافية والجغرافية .
وبإدخال جانب الطلب في الحسبان كما فعل ليندر يلوح أمامنا ، ولو في الأفق، مخرج من لغز "ليونتيف". فقد نجد أن هيكل الأذواق يكون بحيث أن طلب المستهلكين في البلد ذي الوفرة النسبية في عنصر معين يكون شديداً على السلع الكثيفة في استخدام هذا العنصر. مثلاً ، قد يكون طلب المستهلكين في الولايات المتحدة على السلع كثيفة رأس المال من الكبر وطلب المستهلكين في الخارج على السلع كثيفة العمل من الشدة .
بحيث تصدر الولايات المتحدة سلعاً كثيفة العمل وتستورد سلعاً كثيفة رأس المال . بالرغم من الوفرة النسبية لرأس المال والندرة النسبية للعمل فيها . وهذه الظاهرة هي ما تعرف باسم انعكاس الطلب . نذكر هذه الظاهرة كمخرج محتمل من مأزق ليونتيف ، مع ملاحظة أنها لا تثبت خطأ نظرية هكشر – أولين ، بل تكملها وربما تعدل من تنبؤاتها الأساسية .
تساوي أثمان العناصر :
من أهم تفرعات نظرية هكشر – أولين في التجارة الدولية ، نظرية تساوي أثمان العناصر . ولكي نفهم هذه النظرية ودلالتها نسترجع أساس نظرية هكشر – أولين . تبدأ النظرية من فرض ثبات كميات عناصر الإنتاج في كل من البلدين ، وتذهب إلى أن كل بلد سيتخصص في إنتاج السلع الكثيفة في استخدام عنصر الإنتاج الأكثر وفرة . وطبقاً للمعطيات من عناصر الإنتاج ، يكون ثمن العنصر الأكثر وفرة منخفضاً ، وثمن العنصر النادر مرتفعاً ، فقيام التجارة الدولية يزيد من الطلب على عنصر الإنتاج الأكثر وفرة ويقلل من الطلب على عنصر الإنتاج الأقل وفرة . ويترتب على قيام التجارة ، إذن ، اتجاه العنصر الوفير إلى الارتفاع ، واتجاه ثمن العنصر النادر إلى الانخفاض . وإذا توافرت شروط معينة فإن سيادة ثمن واحد لكل من السلعتين في كل من البلدين يضمن سيادة ثمن واحد لكل من العنصرين فيهما .
ودلالة نظرية تساوي أثمان العناصر واضحة . فالتجارة الدولية ، إذ يترتب عليها ارتفاع ثمن العناصر الوفير وانخفاض ثمن العنصر النادر ، بل واتجاه ثمن العنصر الواحد إلى التساوي داخل البلاد المختلفة ، إنما يؤدي إلى تضييق الفروق بين الدول المختلفة في مستوى الدخل . فالتجارة الدولية بهذا المعنى عامل من عوامل القضاء على التفاوت أو اللامساواة بين البلاد المختلفة .
لكن استقراء التطور الاقتصادي للعالم يوضح عكس ذلك تماماً ، إذ يشير لي وجود فجوة كبيرة في الدخول بين دول العالم المختلفة ، وإلى أن هذه الفجوة آخذة في التزايد بمرور الوقت . فالعالم المعاصر ينقسم انقساماً حاداً إلى دول متخلفة وأخرى متقدمة ، أو بالأحرى دول فقيرة وأخرى غنية ، بل إن هذا الإنقسام يزداد حدة . ولذلك ، وعلى حد تعبير الأستاذ "ميردال" ، فإن النظرية الرائجة في التجارة الدولية لا تمدنا بنموذج يمكن استخدامه لتفسير ظهور اللامساواة الاقتصادية بين الدول واتجاه هذه اللامساواة إلى التزايد .
نظرية التجارة الدولية :
2- الفكر الحديث 
مقدمة لابد منها :
من المفيد أن نستهل هذا الفصل بتحديد بعض المفاهيم تحاشياً لأي خطط أو التباس ، فقد تناولنا في جزء من الفصل الثاني من هذا الكتاب اختيار نظرية هكشر- أولين واقعياً . ورأينا أن الأدلة المتاحة لا تؤيد هذه النظرية في عدد ليس بالقليل من الحالات ، مما يضعها موضع الشك كنظرية. ونرى هنا ان من الضروري تحديد المقصود بالنظرية واختبار النظرية في إطار الكتابة العملية ، وما يتصل بذلك من مفاهيم مثل الفرض والفرضية والنظرية والقانون العلمي .
الفرض : هو تقرير يختص بأمر أو ظاهرة ويؤخذ على علاته كنقطة انطلاق للتفكير العلمي . ويقصد به مجرد التبسيط أو عزل بعض المتغيرات توخياً للتركيز .
الفرضية : هي تفسير أولى لظاهرة ما ، يعكس عدم كفاية الأدلة المتاحة ويوضع انتظاراً لتوافر الأدلة اللازمة لاختباره واقعياً .
النظرية : هي الفرضية والفروض التي تقوم عليها ، وهي وإن كانت تحتمل درجة أكبر من المصداقية ، إلا أنها تظل أدنى مرتبة من القانون العلمي .
القانون العلمي : هو تعبير عن علاقة في الطبيعة لوحظ أنها تتكرر تحت نفس الظروف .
ومن الأخطاء الشائعة أن يفهم "النظري" على أنه "الكلام المرسل" ، الذي يأخذ صورة التعبير اللفظي ، والتطبقي ، على أنه كل ما يتم التعبير عنه بالرموز والمعادلات .
وهذا خطأ ينبغي تصحيحه ، فالنظرية يمكن أن تصاغ صياغة لفظية ويمكن أن تأخذ صورة الرموز والمعادلات ، حيث أن جوهر النظرية هو أنها تخمين بتفسير لظاهرة ما أو تخمين بالنتيجة عندما يتحقق شرطها وهو السبب . وهي بهذا المعنى لها أهمية كبيرة للغاية (ليست للكلام المرسل): فهي تزودنا بالقدرة على التنبؤ بالنتيجة عندما يتحقق السبب ، وبالتالي تمدنا بالحكمة اللازمة للتصرف العاقل . خذ نظرية الجاذبية لنيوتن مثلاً ، والتي ارتقت إلى مرتبة القانون العلمي بعد أن ثبت أنها علاقة في الطبيعة تتكرر في نفس الظروف . ولعل القارئ يدرك القيمة العلمية الكبرى لهذه النظرية ، فلم يعد المرء بحاجة إلى القفز بدون مظلة من ارتفاع شاهق ليتأكد أنه سيهوى مرتطماً بالأرض – وقد يلقى حتفه ! إن التنبؤ بهذه النتيجة أصبح ممكناً بفضل نظرية نيوتن . خذ كمثال آخر نظرية الطلب ، والتي ارتقت إلى مرتبة القانوني العلمي أيضاً . فلم تعد المجتمعات بحاجة إلى الانتظار لحين زيادة (انخفاض) الطلب لكي تدرك أن السعر سيرتفع (سينخفض)- مع ثبات العوامل الأخرى بالطبع .
تلك القيمة الكبرى للنظرية ، وبالتالي فإن التحليل النظري بهذا المعنى ليس هو نشاط المترفين من الصفوة في أبراجهم العاجية ، بل هو أساس للسلوك العملي لا غنى عنه .
وفي ضوء هذه التحديات نقول أن نظرية هكشر - أولين لم ترتق إلى مستوى القانون لانها لم تصمد للتحقق الواقعي . أي أن التنبؤات التي تقول بها النظرية لا تحدق في عالم الواقع . هذا ينطبق على التجارة الخارجية للولايات المتحدة أو العديد من الدول كما كشف عن ذلك لغز ليونتيف . كما ينطبق أيضاً على اللامساواة الدولية في الدخول التي تنبأت النظرية باتجاهها إلى الانخفاض في حين أن الملاحظ هو اتجاهها إلى الزيادة . وعند البحث في أسباب فشل نظرية هكشر – أولين لابد من التوقف عند بعض الفروض الحرجة التي تقوم عليها هذه النظرية . فرض تماثل التكنولوجيا المستخدمة في البلاد المختلفة ، وفرض ثبات غلة النطاق ، وفرض المنافسة الكاملة، وفرض التشغيل الكامل للموارد، ويتفرغ عن ذلك أنها لا تفرق بين البلاد المتقدمة والبلاد النامية . فكل البلاد سواء في منظور هكشر – أولين .
لا عجب إذن أن عجز الفكر التقليدي في مجال نظرية التجارة الدولية المبني على الميزة النسبية ونسب العناصر عن تفسير ظواهر معينة مثل ازدياد أهمية التجارة الدولية في الخدمات ، وازدياد أهمية التجارة بين الدول الصناعية وتصاعد نسبة التجارة في السلع كثيفة المعرفة بالمقارنة بالسلع كثيفة الموارد ، وتنامي التجارة في المنتجات المتفاضلة داخل الصناعة الواحدة ، وازدياد أهمية التجارة بين الفروع المختلفة للشركات دولية النشاط وفي الأجزاء التالية من هذا الفصل سوف نستعرض الاتجاهات والملامح الحديثة في التجارة الدولية كمدخل لمناقشة الفكر الحديث في مجال نظرية التجارة الدولية : نظرية ليندر، النظرية التكنولوجية الحديثة ، ونظرية المنافسة الاحتكارية، وفورات النطاق .
الملامح والاتجاهات الحديثة في التجارة الدولية :
تظهر بيانات التجارة الدولية عدة اتجاهات جديرة بالملاحظة في حد ذاتها ، ولكنها أيضاً جديرة بالاعتبار لما بها من دلالة بالنسبة لنظرية التجارة الدولية . فهذه البيانات تكشف عن أنماط جديدة للتبادل الدولي أو أن شئت حقائق جديدة . وهذه الحقائق الجديدة تستدعي طرحاً نظرياً جديداً يتناسب معها . فما هي هذه الاتجاهات الجديدة في التجارة الدولية ؟ قبل الدخول في التفاصيل نرصد الاتجاهات الآتية .
أ- نمو التجارة الدولية في الخدمات بمعدل أكبر من معدل نمو التجارة الدولية في السلع ، وبالتالي ازدياد نصيب التجارة الدولية في الخدمات وهبوط نصيب التجارة الدولية في السلع ، ونتج عن ذلك اتجاه نصيب التجارة الدولية في الخدمات نحو الارتفاع ، إلى أن وصل حالياً لى ما يقرب من 20% من حجم التجارة الدولية ككل .
ب- نمو التجارة الدولية في السلع بين الدول المتقدمة بمعدل أسرع من نمو التجارة الدولية في السلع على مستوى جميع الدول .
ج- ازدياد نسبة التجارة الدولية في السلع كثيفة المعرفة ، بالمقارنة بالسلع كثيفة الموارد .
د- ازدياد التجارة في المنتجات المحتلفة داخل الصناعة الواحدة بمعدل أسرع من التجارة بين الصناعات المختلفة . وهذه الظاهرة مرتبطة بظاهرة نمو التجارة الدولية في السلع بين الدول المتقدمة بمعدل أسرع من نمو التجارة الدولي ككل .
ه- ارتفاع نسبة التجارة الدولية التي تتم في إطار الشركات دولية النشاط . وازدياد أهمية هذه الشركات في محيط الاقتصاد الدولي ، بل ومعترك السياسة الدولية في السنوات الأخيرة . والاتجاهات الأربع الأخيرة مرتبطة ببعضها البعض ارتباطاً وثيقاً . فالدول المتقدمة هي المراكز التي تتبعها الشركات دولية النشاط ، والأخيرة هي الكيانات الأكثر نشاطاً في مجال البحث والتطوير ، وبالتالي خلق المنتجات كثيفة المعرفة .
ولكن كيف نستدل على نصيب التجارة الدولية داخل الصناعات تمييزاً لها عن التجارة الدولية بين الصناعات ؟
لتحقيق ذلك يلزم أولاً تحديد الصناعات ، وهذه مسألة تحكمية إلى حد ما ، ولكنا نأخذ بحل عملي يقوم على افتراض أن المجموعات السلعية المختلفة هي من نواتج صناعات مختلفة ، وبالتالي فإن نقطة البداية في قياس نسبة التجارة داخل الصناعات (د) هي بتقسيم التجارة الدولية (صادرات وواردات) إلى مجموعات سلعية محددة – مثلاً على أساس التصنيف الدولي النمطي للتجارة الدولية . ونفترض من حيث المبدأ أن البلد قد يصدر نوعية من سلعة ما ويستورد نوعية أخرى من نفس السلعة . فقد يصدر سيارات فاخرة ويستورد سيارات شعبية ، وقد يصدر صنفاً من سلعة ما ويستورد صنفاً أخر وهكذا. 
وتجدر الإشارة إلى أن السبب في اتجاه نسبة التجارة داخل الصناعات إلى الارتفاع بمرور الوقت هو ظاهرة تمييز المنتجات التي تسود في ظروف المنافسة الاحتكارية ، في مثل هذه الظروف يلجأ كل منتج إلى تمييز منتجاته بشتى الطرق سعياً للاستئثار بنصيبه من السوق ، وإشكال التمييز متعددة : منها نوع العلامات التجارية ، ومنها التصميمات ...إلخ.
ويلاحظ أن نصيب التجارة داخل الصناعات في تجارة السلع الصناعية لعشر دول مع أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية آخذ في التزايد خلال الفترة 1970 – 1987- باستثناء انخفاض طفيف في حالة الولايات المتحدة واليابان عام 1981 . ولكن هذا الانخفاض لا يغير من الاتجاه العام الواضح كما تعكسة النسبة المتوسطة لمجموعة البلاد العشرة خلال الفترة المذكورة . ومعنى ذلك أن التجارة داخل الصناعات ، بمعنى تبادل سلع تنتجها نفس الصناعة ، قد تصل حالياً إلى حدود 60% من التجارة في السلع الصناعية لهذه المجموعة من الدول .
ما هو مضمون هذه الاتجاهات بالنسبة لنظرية التجارة الدولية ؟
إن هذه التطورات الحديثة كلها تشير في اتجاه واحد . ذلك هو أن الوفرة والندرة النسبية للموارد تفقد أهميتها كمحدد لتدفقات التجارة بين الدول ، وهذا يضعف من القوة التفسيرية لنموذج هكشر – أولين . كما أن مما يضعف من اعتمادية هذا النموذج ما انتهت إليه نتائج معظم الاختبارات التي أجريت عليه منذ فجر ليونتيف هذه القضية من خلال اللغز المعروف باسمه . وكل هذا وذاك يفتح الباب للفكر الحديث في نظرية التجارة الدولية . ونتناول هنا كلاً من نموذج ليند ، نموذج الفجوة التكنولوجية (دورة المنتج) ، ونموذج المنافسة الاحتكارية ، وفورات النطاق .
نموذج ليندر :
في تفسيره لقيام التجارة الدولية ، يفرق ليندر بين نوعين من السلع المنتجات الأولية والسلع الصناعية . فبالنسبة للمنتجات الأولية يرى ليندر أن تبادلها يتم طبقاً للميزة النسبية ، وأن الميزة تحدد بنسب عناصر الإنتاج هو نفس تفكير هكشر- أولين ، على ما سبق وأن أوضحنا ، فنسب عناصر الإنتاج تحدد ، بمعلومية الطلب ، الاثمان النسبية لهذه العناصر ، ويفترض ليندر أن كثافة العناصر في إنتاج المنتجات الأولية واحدة بصرف النظر عن الأثمان النسبية للعناصر . وينتج عن ذلك أن الأثمان النسبية لعناصر الإنتاج تحدد تكلفة المنتجات الأولية بصفة قاطعة . فعندما تكثر عناصر الإنتاج (الموارد الطبيعية) الملائمة لإنتاج منتج منخفضة . وعندما تندر عناصر الإنتاج (الموارد الطبيعية) الملائمة لإنتاج منتج أولي معين ، تكون أثمان هذه العناصر مرتفعة وتكون تكلفة المنتج بالتالي مرتفعة . في الحالة الأولى يتم تصدير المنتج ، وفي الحالة الثانية قد يجري استيراده .
أما فيما يتعلق بالسلع المصنوعة فيرى ليندر أن الأمر أكثر تعقيداً . فهناك مجموعة من العوامل تحدد الصادرات المحتملة والواردات المحتملة وهناك مجموعة أخرى من العوامل تحدد الصادرات الفعلية الواردات الفعلية .
ومن أهم محددات الصادرات المحتملة حجم الطلب المحلي . إذ لكي يصبح في مقدور أي بلد أن يصدر سلعة معينة إلى الخارج ، لابد أن يكون هناك طلب محلي على هذه السلعة ، ولابد أن يكون إنتاج هذا البلد منها ، على الأقل في المراحل الأولى ، موجهاً لإشباع الطلب المحلي .
والمبدأ الأساسي في نظرية ليندر هو أن وجود طلب محلي على السلع (سواء لإغراض الاستهلاك أو لإغراض الاستثمار) يعتبر شرطاً ضرورياً وليس كافياً ، لتكون هذه السلع صادرات محتملة .
ويجب أن نحدد معنى وجود طلب محلي على السلع بدرجة أكبر من الدقة ، حيث من المسلم به أن الطلب يتوقف ، بالإضافة إلى عوامل أخرى على الثمن . ولذلك فإن المقصود هو وجود طلب محلي على السلع عند الأثمان السائدة في السوق الدولية لهذه السلع . ونظراً لأن نطاق السلع ينطبق عليها هذا الشرط قد يكون كبيراً بدرجة تفزغ تفسيره من أي محتوى علمي ، فإن ليندر يلجأ إلى مفهوم "الطلب الممثل" لتضييق نطاق الصادرات المحتملة بدرجة تجعل لتفسيره معنى محدداً، وقبل أن نوضح المقصود بالطلب الممثل ، دعنا نعدد الأسباب التي يسوقها ليندر لتدعيم مبدئه الأساسي ، وكلها تدور حول فكرة أساسية واحدة ، وهي أن الدراية بظروف السوق المحلية تكون أكبر بطبيعة الحال من الدراية بظروف الأسواق الخارجية .
أول هذه الأسباب ، هو أن القرار الخاص بإنتاج سلعة معينة لابد أن يبنى على حاجات اقتصادية واضحة ومحددة ، ويعني هذا أن المنظمين سوف يستجيبون لفرص الربح التي يكونون على علم بها . ونظراً لأننا نعيش في عالم يتميز بنقص المعرفة ، فإن درايتهم تكون أكبر بفرص الربح في الأسواق المحلية من حولهم ، أي أن المنظمين عادة ما يستجيبون لحاجات محلية ، على الأقل في البداية . وبعد المضي في الإنتاج للسوق المحلية لفترة تتفتح أمام المنظمين فرص البيه في الأسواق الخارجية . وعلى ذلك فإن "التجارة الدولية حقيقة ليست إلا مد شبكة النشاط الاقتصادي لبلد من البلاد عبر الحدود القومية ".
والسبب الثاني ، هو أنه إذا كان الاختراع ضرورياً لإنتاج السع ، فإن وجود الطلب المحلي ضروري حتى يستطيع المنتج امتلاك ناصية الإنتاج وحل جميع المشاكل المرتبطة بتطبيق الاختراع قبل الإنطلاق إلى الأسواق الخارجية . وبعبارة أخرى ، فإن حاجات البلد ذاته ، هي أم الاختراع أساس ذلك هو أنه من الصعب الإلمام بعناصر المشاكل وابتداع الحلول لها إذا لم تشكل جزءاً من بيئة المخترع .
والسبب الثاث : هو أن تحسين نوعية السلع أ, تطوير سلع جديدة بفاعلية لا يمكن أن يتم إلا في السوق المحلية ، حيث تكون الظروف أكثر مواتاه للتعديل والتطوير . أما إذا حاول المنظم أن يقوم بهذه العمليات في بيئة مختلفة عن بيئته ، فإن تكاليف الإنتاج ستكون مرتفعة بدرجة كبيرة ، فالإحتكاك القريب والمباشر بين المنتج والسوق ضروري لتحقيق الميزة النسبية .
لكل هذه الأسباب نجد أنه من الصعب تحقيق ميزة نسبية في إنتاج سلعة إلا إذا أنتجت هذه السلعة لمواجهة طلب في السوق المحلية في بداية الأمر ، وبإعمال الفكر نجد أن هناك استثناءات ترد على المبدأ الأساسي سقناه . وهذه الاستثناءات تحدث في أي من الحالات الآتية :
(أ) عندما يمكن التعرف بسهولة على الطلب الخارجي حتى بدون وجود طلب محلي .
(ب) عندما يكون انتاج سلعة ممكناً بلا حاجة إلى الاختراع .
(ج) عندما لا يحتاج الامر إلى تعديل أو تطوير في السلع المنتجة .
ومؤدى ما تقدم هو أن دوال الإنتاج ليست واحدة في كل البلاد ، كما تذهب نظرية نسب العناصر ، بل أن دوال الإنتاج للسلع المطلوبة في السوق المحلية تحقق درجة من الامتياز والكفاءة أكبر من دوال الإنتاج للسلع التي لا يكون عليها طلب في هذه السوق .
اقتصر تحليلنا حتى الآن على الصادرات المحتملة ، فماذا عن الواردات المحتملة لبلد من البلاد ؟ من الواضح أن مجرد وجود الطلب المحلي عند الأسعار الجارية يكفي لتحديد السلع التي قد تستورد . ولا يحتاج الأمر في هذه الحالة إلى اللجوء إلى فكرة "الطلب الممثل" كما هو الشأن بالنسبة للصادرات .
(1) كثافة التجارة في السلع المصنوعة :
كثافة التجارة في مفهوم ليندر هي مقياس لحجم التجارة بين الدول بعد استبعاد تأثير حجم الدول على حجم التجارة بينها ، وتقاس كثافة التجارة بميل البلاد المختلفة للاستيراد من بعضها ، ويمكن القول أنه كلما تشابه هيكل الطلب في بلدين كانت التجارة المحتملة بين هذين البلدين أكثر كثافة ، ويرجع ليندر هيكل الطلب إلى مجموعة من العوامل أهمها الدخل المتوسط . فهو يرى أنه كلما ارتفع متوسط الدخل في بلد ما ، أدى ذلك إلى تحول الطلب إلى سلع معقدة التركيب ، سواء كانت سلعاً استهلاكية أو سلعاً استثمارية ، وعلى ذلك فإن التجارة المحتملة تكون أكثر كثافة بين الدول التي يتقارب مستوى الدخل المتوسط فيها ، رغم التسليم بأن هناك عوامل أخرى تحدد هيكل الطلب مثل الطقس واللغة والدين والثقافة ، وينتج عن ذلك أن الفروق في متوسط الدخل بين الدول تعتبر عقبات أمام التجارة المحتملة . فالسلع التي تنتج بكفاءة في بلد مت لا تكون مطلوبة في البلد الآخر بسبب اختلاف متوسط الدخل ، وما يترتب عليه من اختلاف هيكل الطلب وفي تقديرنا أن هذا هو الإسهام الحقيقي ليندر ، فلقد أهملت نظرية نسب عناصر الإنتاج الطلب بافتراضها أن أذواق المستهلكين واحدة في الدول المختلفة .
وإذا أردنا المقارنة بشكل أوضح بين نظرية نسب العناصر ونظرية ليندر في التجارة الدولية في السلع الصناعية ، فلابد من الربط بين نسب العناصر ومتوسط الدخل ، وطالما أننا نتحدث عن السلع الصناعية فلا شك أن أهم عناصر الإنتاج فيها هي العمل ورأس المال ، ولنصور نسب العناصر هنا بنسبة رأس المال / العمل . بتطبيق نظرية الإنتاج نجد أنه كلما زادت نسبة رأس المال / العمل ، زادت إنتاجية العمل ، وزاد بالتالي متوسط دخل الفرد . وعلى ذلك ، فإن هناك علاقة طردية بين نسب العناصر ، مقاسه بنسبة رأس المال / العمل ، ومتوسط دخل الفرد . وطبقاً لنظرية نسب العناصر ، تزداد إمكانية التجارة كلما اختلفت نسبة العناصر . أي أن التجارة الدولية في مفهوم نظرية نسب العناصر ، تتعاظم بين الدول التي يتفاوت الدخل المتوسط فيما بينها بدرجة كبيرة ، وعلى النقيض من ذلك نجد أن التجارة الدولية ، في مفهوم نظرية ليندر ، تتعاظم بين الدول التي يتقارب الدخل المتوسط فيما بينها بدرجة كبيرة .
النفع من التجارة الدولية 
إن مطالعة الفصلين السابقين تكشف عن تباين واضح في وجهات النظر بخصوص النفع من التجارة الدولية . فالفكر التقليدي يخلص إلى أن جميع الأطراف تستفيد . أما ليندر فهو لا يسلم بوجهة النظر هذه ، ويرجح أن تكون حرية التجارة ضارة بالبلاد النامية بسبب جمود الهيكل الاقتصادي لها . ويضاف إلى كل ذلك أنصار نظرية التبادل اللامتكافئ ، الذين يؤكدون على أهمية علاقات القوى بين طرفي التبادل كمحدد للنفع . ونتناول هذه الآراء تباعاً في هذا الفصل . ثم نخصص ملحقاً منفصلاً لتوضيح أهم مفاهيم وطرق قياس معدل التبادل الدولي بإعتباره الأداة الرئيسية لتقدير النفع من التجارة الدولية في الدراسات التطبيقية . ونختتم بملحق آخر للصياغة الحديثة لنظرية التبادل اللامكافئ ، لأنها قد تكون فوق مستوى المرحلة الجامعية الأولى .
النظرية الكلاسيكية والنظرية الكلاسيكية الجديدة :
ذكرنا أن النظرية الكلاسيكية والنظرية الكلاسيكية الجديدة (أي نظرية النفقات النسبية ونظرية نسب العناصر) تستنتج أن هناك مصلحة لطرفي العلاقات في التخصص والتبادل الدولي أن يؤدي إلى تقارب مستويات الدخول في البلاد المختلفة . لكننا لاحظنا في الفصل الأول من هذا الكتاب أن هناك فروقاً هائلة بين مجموعات الدول المتقدمة ومجموعة الدول النامية ، بحيث أن الأولى تشكل أقلية غنية، وتكون الثانية الأغلبية الفقيرة من سكان العالم . ونضيف هنا أنه ليس هناك دليل على اتجاه الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة إلى التناقص .
ويمثل عجز الفكر التقليدي عن تفسير الواقع نقطة ضعف أساسية ، مردها أنه يصف شروط التبادل في لحظة معينة ، لكنه لا يسمح ، بحكم منهجه التحليلي ، بالمفاضلة بين التخصص بناء على الميزة النسبية في لحظة معينة وبين التنمية أي خلق ميزات نسبية جديدة . وكما يقول "سمير أمين"، إن هذا الفكر لا يمكنه أن يفسر الحقيقتين الأساسيتين اللتين تميزان الطريقة التي تطورت بهما التجارة الدولية في إطار النظام الرأسمالي وهما تطور التجارة بين الدول المتقدمة بمعدل أسرع من تطورها بين الدول المتقدمة والدول النامية ، والصور التي أخذها التخصص في الدول النامية والتي تتمثل حالياً في مد الدول المتقدمة بمواد خام (مثل البترول والنحاس) تنتج بواسطة مشروعات رأسمالية حديثة ومرتفعة الإنتاجية .
إن النظرية الكلاسيكية والنظرية الكلاسيكية الجديدة تجردان تحليلهما من دراسة علاقات الإنتاج عموماً وعلاقات الملكية خصوصاً ، وكيف أن هذه العلاقات تحكم عملية التبادل وتحدد نتيجتها . فهي لا زالت أسيرة نموذج المنافسة الحرة الذي ساد البيئة الرأسمالية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، مصورة أن التبادل الدولي يقوم به أفراد متقارب القدرة والنقوذ . هذا في حين تدل التجربة التاريخية على أن التبادل الدولي في العصر الحديث ، أي بعد انتصار الرأسمالية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، تقوم به شركات احتكارية تسندها قوة الدولة السياسية والدبلوماسية وحتى العسكرية .
انظر إلى ما يقوله "ريكارود" في ضوء ما تقدم ، في معرض حديثة عن التجارة بين دولتين . يقول "ريكاردو" في ظل نظام التجارة الحرة تماماً يكرس كل بلد بالطبع عمله ورأسماله لتلك الاستخدامات التي تكون أكثر فائدة للطرفين . هذا السعي "للميزة الفردية مرتبط بشكل مدهش بالخير العام للمجموع . فبشحذه الهمم ومكافأة الإبداع ، وبإستخدام القوى الخاصة التي وهبتها الطبيعة بأكبر درجة من الكفاءة ، فإنه يوزع العمل بأقصى فعالية واقتصادية . ومن ناحية أخرى . فإنه بزيادة الحجم الكلي للإنتاج ينشر الخير ويربط المجتمع العالمي للأمم في كل أنحاء العالم المختصر برباط واحد مشترك من المصلحة والتفاعل . هذا هو دفاع "ريكاردو" المجيد عن حرية التبادل على أساس الميزة النسبية .
ولقد بدأ يظهر الكثير من الدراسات الجادة التي تلقي الضوء على الطبيعة الحقيقية لمقولة "ريكاردو": بقدر ما كانت دفاعاً عن حرية التجارة بقدر ما كانت أيضاً دفاعاً عن مصالح بلده بريطانيا على الأقل .
فلقد أضح "سديري" في دراسة قيمة اختار لها العنوان الموحي: التجارة والقوة، كيف أن المعاهدات التجارية بين بريطانيا والبرتغال في السنوات 1642 ، و 1645 و 1661 و 17.3 قد أقامت نمطاً لتقسيم العمل بين بلدين على نفس أساس "الميزة النسبية" الذب قال "ريكاردو" بعده بقرن ونصف . ومع هذا فإن الآثار السلبية لهذا التخصص على المجتمع والاقتصاد البرتغالي تناقض مقولة "ريكاردو" من أن التجارة تحقق نفعاً للطرفين.
فلقد فرضت هذه المعاهدات على البرتغال تصفية صناعاتها ، كما أدى تخصص البرتغال في إنتاج النبيذ إل تنامي القوة الاقتصادية والسياسية لملاك الأراضي . وبذلك خلقت قوى اجتماعية مضادة للتصنيع . كما أنها غيرت من هيكل الاقتصاد البرتغالي بحيث جعلته اقتصاداً تابعاً للاقتصاد البريطاني . وفي ضوء هذا خلص "سديري" من دراسته إلى ان هناك استمرارية محددة في السياسة التجارية لبريطانيا رغم اختلاف المصطلحات التي تستخدمها المدارس الاقتصادية المختلفة في الفترات المختلفة . فهي سياية تقوم ، في كل مراحلها ، على القوة وسيلة وغاية . وليس ثمة اختلاف في الجوهر بين مذهب التجاريين ومذهب حرية التجارة . فكلاهما ، في الأساس وسيلة من وسائل تحقيق القوة . وينادي "سديري" بناء على هذا ، بأن التفسير التاريخي لظاهرة التبادل الدولي لابد أن يتضمن عنصر القوة وهو عنصر أهملته النظرية الكلاسيكية الجديدة . إذ كما يقول "وايلز"، فإن العلاقات الاقتصادية هي عمل سياسي ، وهذا يفسر عقم النظريات البرجوازية لتفسير التبادل الدولي ، فهي تجريد عن الاعتبارات السياسية .
ولا يكذب التاريخ نظريات التبادل الدولي التي قال بها الكتاب الكلاسيك والكلاسيك الجديد في حالة البرتغال فقط ، بل أن النمط يتكرر في كل بلاد ما يسمى حالياً بالعالم الثالث تقريباً . ففي مصر ، ترتب على الاتفاق البريطاني – التركي عام 1838 فرض نمط لتقسيم العمل الدولي على مصر وسحب مصر إلى حلبة السوق الرأسمالية العالمية بسرعة شديدة كمنتج للمواد الخام (القطن) ومستورد للسلع الصناعية وحقلاًً خصباًً للاستثمارات الأجنبية . وقد ترك كل هذا بصمات شديدة على الاقتصاد والمجتمع في مصر .
أردنا من عرضنا المتقدم في هذا الفصل أن نقيم الدليل على أن النظرية التقليدية أو الكلاسيكية ونظرية هكشر – أولين (وسنطلق عليها اختصار الفكر التقليدي في مجال التبادل الدولي) قد أهملنا عنصر القوة في دراسة وتفسير ظاهرة التخصص والتبادل الدولي . وهذا يكسب ذلك الفكر طابعاً أيدلوجياًً – تبريرياًً رغم المسحة العلمية التي قد تبدو على السطح . انه بنزعته الصارخة إلى تأليه حرية التجارة ، تنظير للدفاع عن مصالح الطرف المستفيد من النمط الراهن لتقسيم العمل الدولي. فهو ، بالقول بأن الطرفين يستفيدان من تحرير التبادل يتضمن أن ثمة تكافؤ بينهما بحث لا يستطيع طرف أن يسيطر على الطرف الآخر ، وما هكذا سارت العلاقات الاقتصادية الدولية في الماضي، ولا هكذا تسير في الوقت الحاضر . ومن هنا كان لابد من النظر إلى ظاهرة التبادل الدولي في إطار مختلف ، إطار اللاتكافؤ بين أطرافه . وهذا هو أساس نظرية التبادل اللامتكافئ . وسوف نعرض هنا للصياغة الأولية لهذه النظرية على يد "سنجر ميردال وبريبش" . أما الصياغة الأكثر تطوراً وتحديداًً والأكثر تعقيداًً أيضاًً على يد "أرجيري أمانويل" و "سمير أمين فسنودعهما في ملحق منفصل .
مقولة "ميردال – بريبش – سنجر :
لقد تحدى كل من "راؤول بريبش" و "هانز سنجر" و "جونار ميردال" المقولة الأساسية للفكر الغربي التقليدي في مجال التخصص والتبادل الدولي، وهي أن التبادل يعود بالنفع على طرفيه معاًً. ولقد ظهرت كتاباتهم في الخمسينات موضحة أن الدول المتخلفة إنما تمثل الطرف الأضعف في عملية التبادل هذه ، فهو تبادل غير متكافئ ، فلقد أوضح "سنجر أن العائد من الاستثمار وما يترتب عليه من تجارة لا يتوزع بالتساوي بين البلدين المستثمرة والبلدان المقترضة ، بل أن هذه العملية يترتب عليها نقل موارد من الثانية إلى الأولى كان يمكن أن تستغل في تحقيق الاقتصادية . وأضاف أن الدول النامية ضحية اتجاه معدل تبادلها الدولي إلى التدهور بمرور الوقت .
أما "ميردال" ، فلقد بنى تحليله على أساس أن التبادل الدولي لا ينتج عنه اتجاه نحو التساوي في الدخول . وأوضح أن ما تقول به النظرية التقليدية والنظرية التقليدية الجديدة من اتجاه نحو التساوي أمر يتناقض مع الخبرة التاريخية ، ويعود أساساًً إلى فروض هذه النظريات . وأهم هذه الفروض فرض التوازن المستقر وفرض انسجام المصالح وفرض المنافسة الكاملة .
فالثابت أن الفكر التقليدي في مجال التبادل الدولي قد جعل من فكرة التوازن عماداًً أساسياًً للتحليل . ومضمون فكرة التوازن المستقر ، بصفة عامة ، هو أنه إذا اختل التوازن فإن هذا الاختلال نفسه يولد قوى تلقائية تعيد الأمور إلى نصابها . ومؤدى فكرة التوازن المستقر في مجالنا هو أن الفروق التي تقوم بين الدول في أسعار عناصر لإنتاج وفي الدخول تولد قوى تلقائية ، من خلال التبادل ، تؤدي إلى القضاء على هذه الفروق .
فانخفاض سعر أحد عناصر الإنتاج في بلد عنه في بلد آخر يرتب للبلد الأول ميزة نسبية على البلد الثاني في السلعة الكثيفة في عنصر الإنتاج الرخيص . وبذلك يصدر البلد الأول هذه السلعة . لكن هذه العملية تزيد من الطلب على عنصر الإنتاج الرخيص فيتجه سعره نحو الارتفاع . والعكس يحدث في البلد الآخر ، ويقوم بذلك اتجاه نحو تساوي أثمان عناصر الإنتاج . ومضمون فرض انسجام المصالح هو أنه ليس ثمة تناقض أساسي بين طرفي التبادل ، وبالتالي فالنصيحة هي التعاون لا المواجهة . وفرض المنافس الكاملة يتضمن في أساسه أنه ليس في مقدور أي من طرفي التبادل أن يحدد نتيجة التبادل بمفرده.
ولقد هاجم الأستاذ "ميردال" هذه الفروض بشدة – فعنده أن العملية الاقتصادية عملية تراكمية ، بمعنى أن وجود فروق في أسعار عناصر الإنتاج وفي الدخول يؤدي ، في ظل الظروف القائمة ، إلى مزيد من الفروق . ويرى "ميردال" أن فرض انسجام  المصالح هو تعبير عن وجهة نظر من حصلوا على نصيب أكبر فرص الحياة . أما فرض المنافسة الكاملة فيهاجمه "ميردال" من ناحيتين. فهو فرض يعوزه الدليل الواقعي في إطار الظروف الثقافية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية للدول النامية ويستخلص "ميردال" أنه إذا نظرنا إلى العملية الاقتصادية كعملية تراكمية (أي إذا أسقطنا فرض التوازن المستقر) ، وإذا رفضنا فرض المنافسة الكاملة ، فإن النتيجة المنطقية هي ازدياد اللامساواة بسبب عد التكافؤ بين طرفي التبادل .
أما "بريش" ، فقد أشار إلى عدم التكافؤ بين الدول أطراف التبادل ، أي الدول النامية والدول المتقدمة ، وما ينتج عنه من ضرر للأولى باعتبارها الطرف الأضعف .
وقد ركز على أحد صور هذا الضرر وهو تدهور معدل التبادل الدولي للدول المتخلفة .
وبناء على هذا استنتج "بريبش" أن على الدول المتخلفة أن تهجر مبدأ حرية التجارة ، وأن تعتنق سياسة تجارية حمائية تمكنها من بناء الصناعة الوطنية في الداخل .
النفع من التجارة عند ليندر :
يفرق "ليندر" في هذا المجال بين نوعين من البلاد : البلاد التي تتمتع اقتصاداتها بالقدرة على التكيف للوضع الجديد بإعادة تخصيص الموارد ، والبلاد التي لا تتمتع بهذه القدرة . ويمكن أن نطلق على النوع الأول للبلاد المتقدمة وعلى النوع الثاني للدول النامية والسبب في هذه التفرقة في مجال بحث أثر التبادل الدولي هو أن هذا الأثر يختلف ، كماًً ونوعاًً ، باختلاف درجة مرونة الهيكل الاقتصادي . فإذا كان هذا الهيكل مرناًً ، كما هو الحال في النوع الأول من البلاد ، أمكن التكيف مع الوضع الجديد بإعادة تخصيص الموارد بما يحقق الإفادة من التبادل الدولي . أما إذا كان الهيكل الاقتصادي من الجمود بحيث لا يمكن إعادة تخصيص الموارد بين قطاع التصدير وقطاع منافسة الواردات ، فإن النتيجة هي اختفاء قطاع منافسة الواردات في المدى الطويل . وسنتناول بشيء من التفصيل أثر التبادل الدولي على الدول ذات الاقتصادات التي لا تتمتع بالقدرة على إعادة تخصيص الموارد (وهي ترادف الدول النامية حالياً).
ينطلق "ليندر" في مناقشته لأثر قيام التبادل الدولي على اقتصادات هذه البلاد من الفروض الآتية :
1- يتكون الاقتصاد القومي ، حال قيام التجارة ، من قطاعين متساويين في حجم العمالة ومستوى الدخل – قطاع التصدير وقطاع منافسة الواردات . ويكون توزيع الدخل متساو داخل كل منهما .
2- قبل التجارة ، يكون متوسط الدخل في الاقتصاد القومي عند حد الكفاف .
3- هناك عنصر إن للإنتاج فقط هما العمل ورأس المال .
4- الطلب على منتجات قطاع التصدير تام المرونة .
5- ليس هناك إمكانية لإعادة تخصيص الموارد بين قطاعي الاقتصاد القومي .
6- يتلقى العاملون في قطاع منافسة الواردات ، بعد قيام التجارة أجوراً أقل ممن حد الكفاف ، ولا يحصلون على أية إعانات .
وجدير بالملاحظة أن الفرضين الأخيرين يلعبان دوراً رئيسياً في تحليل "ليندر" .
وهما في الواقع يميزانه عن التحليل الشائع في الفكر التقليدي (سواء على يد المدرسة الكلاسيكية أو على يد هكشر – أولين) . هذا التحليل الشائع يقتصر على أثر التجارة على إعادة تخصيص الموارد بين القطاعين . وطالما أن الموارد تنتقل من الاستخدام الأقل كفاءة إلى الاستخدام الأكثر كفائة ، فإن هذا التحول للموارد يحقق نفعاًً بالضرورة . ولكن مؤدى تحليل "ليندر"، على العكس من ذلك، هو أن ينقرض قطاع منافسة الواردات وينمو قطاع الصادرات، ويتم ذلك من خلال عدة تحويلات ديناميكية تجعل من الصعب القطع بنفع التجارة .
وخلاصة نظرية "ليندر" عن أثر قيام التجارة على اقتصادات البلاد النامية كما يلي :
يترتب على قيام التجارة ارتفاع متوسط الدخل في قطاع التصدير وانخفاض متوسط الدخل في قطاع منافسة الواردات (وذلك لأن قيام التجارة يزيد من الطلب على عناصر الإنتاج الموظفة في القطاع الأول ويقلل من الطلب على عناصر الإنتاج الموظفة في القطاع الثاني) . ويؤدي ارتفاع متوسط دخل الفرد في قطاع التصدير في المدى الطويل إلى تزايد السكان وتراكم رأس المال في هذا القطاع. كما يؤدي إنخفاض متوسط دخل الفرد في قطاع منافسة الواردات في المدى الطويل إلى تناقص السكان وتقلص رأس المال في هذا القطاع. وتستمر هذه العملية حتى ينقرض قطاع منافسة الواردات كلية، ويستقر الاقتصاد القومي عند وضع توازني جديد .
ويتضح من كل هذا إن "ليندر" يتبع تحليلاً ديناميكياً لأثر التجارة بحيث تكون نتيجتها لا مجرد إعادة تخصيص الموارد بل تغير حجم ونوع الموارد ذاتها .
بعد ذلك نثير السؤال التالي : هل يمكن القول على وجه اليقين أن قيام التجارة الدولية يحقق نفعاًً لهذا النوع من البلاد ؟ والإجابة على السؤال في إطار التحليل المتقدم أصعب بكثير منها في إطار تحليل النظرية الكلاسيكية ونظرية "هكشر – أولين" . ففي إطار التحليل الكلاسيكي وتحليل "هكشر – أولين" كان حجم السكان ثابتاًً وكان تركيبهم ثابتاًً أيضاًً وكان يفترض إمكانية دفع تعويض من الفئة المستفيدة من التجارة إلى الفئات المضارة منها . وبناء على كل هذا فإن التجارة الدولية في إطار الفكر التقليدي إذ تتيح لكل دولة الحصول على كمية أكبر من كل السلعتين محل التبادل، تحقق الدفع لكل الأطراف . وعلى النقيض من ذلك ، ففي إطار تحليل "ليندر"، يتغير حجم السكان ويتغير تفضيلات الأفراد. فعلى سبيل المثال . قد يترتب على اختفاء قطاع إنتاج السلع المنافسة للواردات ضرر يفوق النفع المتمثل في توسع قطاع الصادرات . ونتيجة لكل هذا تكون أجابتنا على السؤال المتقدم هو أنه لا يمكن القطع بأن التجارة تحقق نفعاً للدول النامية في كل الظروف . أو على حد تعبير "ليندر" أن التجارة الدولية ليست ضماناً للكسب ، كما هو الحال في ظل الفكر التقليدي، ولكنها مجرد دعوة للكسب .
ويسوق "ليندر" للتدليل على صحة نظريته مثالاًً بما حدث لجنوب ايطاليا بعد الوحدة الايطالية . وهو يلاحظ أن إلغاء الحواجز الجمركية، التي كانت تبلغ في جنوب ايطاليا أربعة أمثالها في شمال ايطاليا، أدى إلى الاختفاء شبه الكامل لصناعات الجنوب ويمكن أن نضيف أمثلة أخرى لهذا النمط من التطور التاريخي ، كما حدث في الهند بعد الاستعمار الانجليزي ، وفي مصر بعد هزيمة محمد علي استناداًً إلى الاتفاق التجاري البريطاني- التركي عام 1938. وبمضي الاتفاق الأخير تعهدت تركيا بإلغاء نظام الاحتكار في أنحاء الإمبراطورية وأجبرت الدولة على التخلي عن نظام الاحتكار وإغلاق مصانعها . وبذلك أدى فتح باب الاقتصاد المحلي على مصراعيه إلى القضاء على الصناعة المحلية الناشئة قضاء مبرماً ، بينما لم يستطع قطاع التصدير أن يقود عملية النمو إلى منتهاها.
لقد خلص "ليندر" من نظريته إلى أن التجارة الدولية تحفز على النمو في الدول ذات الهيكل الاقتصادي المرن، وهي ما أطلقنا عليها الدول النامية . ويترتب على ذلك اتجاه الفجوة بين وتوسط دخل الفرد في النوعين من البلاد إلى التزايد مع التجارة الدولية.
فالتبادل الدول إذن ، طبقاًً لنظرية "ليندر" ، ليس وسيلة لتضييق الهوة في الدخل بين الدول النامية والدول المتقدمة ، بل يؤدي إلى زيادة حدة التفاوت بين النوعين من البلاد .
وهذه النتيجة متسقة مع مقولة "ميردال-بريبش-سنجر" التي تذهب إلى أن التبادل الدولي ، بصورته الراهنة ، يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية ، وهي في نفس الوقت تتعارض مع ما خلصت إليه النظرية الكلاسيكية ونظرية "هكشر-أولين" من أن التبادل الدولي يؤدي إلى تضييق هذه الفجوة .
ميزان المدفوعات 
يترتب على التخصص الدولي ، أيا كانت النظريات التي تقدم لتفسيره تبادل دولي ، ويقتضي هذا التبادل الدولي تسوية المدفوعات بين أطرافه حتى يمكن للتخصص أن يستمر . ويجري تسجيل المعاملات الناشئة في سجل شامل يحوي جميع معاملات البلد مع العالم الخارجي ، هذا السجل يعرف اصطلاحاً بميزان المدفوعات .
تعريف ميزان المدفوعات :
ويمكن تعريف ميزان المدفوعات بأنه سجل لكافة المعاملات بين المقيمين في بلد معين وغير مقيمين خلال فترة معينة ، جرى العرف على أن تكون سنة . وحتى تتضح طبيعة ميزان المدفوعات بدرجة أكبر يجب أن نحدد المقصود بالمقيمين . والمقيم، لإغراض تعريف ميزان المدفوعات ، هو أي شخص طبيعي أو معنوي تربطه علاقات قوية بإقليم الدولة ويخضع لقوانينها ويتمتع بحمايتها وقت اللزوم . ولا يشترط لكي يكون الشخص مقيماًَ في الدولة التي ينتمي إليها وغير مقيم في الدولة الموجود بها . فالطالب الكويتي المبعوث إلى ألمانيا مثلاًً ، يعتبر من المقيمين من وجهة نظر ميزان المدفوعات الألماني ولا يجوز أن يفهم من ذلك أن المقيم هو المتمتع بجنسية البلد ، حتى وإن ابتعد عنه ، فذلك غير صحيح، فالشركات الأجنبية التي تزاول نشاطاًً في بلاد غير تلك التي تتبعها تعتبر مقيمة من وجهة نظر ميزان مدفوعات البلاد محل نشاط وغير مقيمة من وجهة نظر ميزان مدفوعات البلاد التي تتبعها .
بنود ميزان المدفوعات :
قلنا أن ميزان المدفوعات هو سجل كامل للمعاملات الاقتصادية بين المقيمين في بلد معين وغير مقيمين خلال مدة سنة . فما هي أنواع هذه المعاملات ؟ أو بعبارة أخرى ما هي البنود التي يتكون منها ميزان المدفوعات ؟ يمكن تقسيم بنود ميزان المدفوعات كما يلي :
(أ) بنود العمليات الجارية : وهي تشمل كل المعاملات التي تترتب على الإنتاج الجاري في نفس الفترة أو التي تؤثر في هذا الإنتاج . ولذلك فهذه البنود عادة ما تكون لها صفة الدورية . كالصادرات من السلع والخدمات تمثل جزءاًً من الإنتاج الجاري ، والواردات من السلع والخدمات تمثل إضافة إلى الكميات المنتجة محلياًً منها (يشمل ذلك الحالة التي فيها الإنتاج المحلي يساوي الصفر). وتنقسم بنود العمليات الجارية، أو المعاملات الجارية ، إلى قسمين القسم الدائن ويتمثل في الصادرات ، والقسم المدين ويتمثل في الواردات .
وتنقسم الصادرات بدورها إلى نوعين : الصادرات السلعية أو الصادرات غير المنظورة . ومن أمثلة الواردات غير المنظورة حصول المقيمين بالدولة على خدمات من غير المقيمين ، كخدمات النقل والمواصلات والشحن والتأمين وخلافه .
(ب) بنود العمليات الرأسمالية ، وهي البنود التي تؤثر على دائنية البلد ولكن لا علاقة لها بالإنتاج في الفترة الجارية ولا تؤثر فيه . وإن كان لها علاقة بالإنتاج إما في فترة لاحقة أو سابقة .
كيفية القيد في ميزان المدفوعات :
يجري القيد في ميزان المدفوعات طبقاًً لنظرية القيد المزدوج في المحاسبة ، ومضمون نظرية القيد المزدوج هو تسجيل كل عملية في الجانب الدائن وفي الجانب المدين في نفس الوقت ، فإذا صدرت الكويت مثلاًً القطن إلى انجلترا تقيد في الجانب الدائن ومقابل الدفع يقيد في الجانب المدين . كذلك إذا استوردت الكويت الآلات تقيد الآلات المستوردة في الجانب المدين ، وتقيد وسيلة الدفع في الجانب الدائن .
ولتحاشي أي لبس بهذا الخصوص فإن هناك قاعدة عامة يجب التمسك بها وهي أن كل عملية يترتب عليها مدفوعات بواسطة غير المقيمين تدرج في جانب المدفوعات أو الجانب المدين . ويصدق هذا سواء كانت العملية تتضمن انتقال السلع أو انتقال رؤوس الأموال . وربما زاد الأمور وضوحاًً أن نعيد صياغة القاعدة بصورة أخرى كما يلي : كل عملية يترتب عليها طلب عملة البلد وعرض عملة بلد آخر تقيد في الجانب الدائن ، وكل عملية يترتب عليها عرض عملة البلد وطلب عملة بلد آخر تقيد الجانب المدين .
نظرية الصرف الأجنبي 
معنى سعر الصرف ومحدداته :
يقصد بالصرف الأجنبي العملات الأجنبية ، مثل الروبية الهندية ، والجنيه السوداني ، والين الياباني ، والدراخمة اليونانية ، والروبل الروسي ، والجنيه الاسترليني، والدولار الأمريكي . ونظرية الصرف الأجنبي هي النظرية التي تحدد سعر الصرف الذي يسود في سوق الصرف الأجنبي . والمقصود بسعر الصرف هو نسبة مبادلة عملة بلد ما بعملة بلد آخر ، وبعبارة أخرى ، سعر الصرف هو عدد وحدات عملة بلد ما التي تتبادل بوحدة واحدة من عملة بلد آخر . فسعر الصرف للجنيه المصري بدلالة الدولار الأمريكي مثلاًً هو عدد الدولارات التي تتبادل مع كل جنيه مصري .
ومن المفروض أن يعكس سعر الصرف قيمة عملة البلد ، وتتحدد قيمة العملة ، كأي سلعة أخرى ، بمجموعتين من العوامل – عوامل الطلب وعوامل العرض . وتمثل عوامل الطلب كل الظروف التي ينتج عنها عرض لهذه العملة . ومن دراستنا لميزان المدفوعات اتضح لنا أن كل بند من بنود ميزان المدفوعات يشكل أما طلباً على عملة البلد (وبالتالي عرضاً لعملات أخرى بالمقابل) أو عرضاً لهذه العملة وبالتالي طلباً لعملات أخرى استكمالاًً للمناقشة .
أولاًً : عوامل الطلب على عملة البلد ، وتتمثل هذه العوامل فيما يلي :
1- صادرات السلع أو الصادرات المنظورة .
2- صادرات الخدمات أو الصادرات غير المنظورة .
3- التحويلات للداخل .
4- حركات رؤوس الأموال الداخلة .
5- صادرات الذهب .
ثانياًً : عوامل عرض عملة البلد ، وتتمثل هذه العوامل فيما يلي :
1- واردات السلع أو الواردات المنظورة .
2- واردات الخدمات أو الواردات غير المنظورة .
3- التحويلات للخارج .
4- حركات رؤوس الأموال الخارجة .
5- واردات الذهب .
والنوع الأول من العوامل يزيد من الطلب على عملة البلد ، وبالتالي يؤدي بفرض ثابت العوامل الأخرى إلى ارتفاع قيمة العملة . فكلما زادت الصادرات سواء كانت صادرات منظورة أو غير منظورة ، أدى ذلك إلى تدعيم مركز عملة البلد . أيضاًً كلما كان حجم التحويلات إلى البلد كبيراً (كتحويلات المهاجرين والعاملين في الخارج مثلاًً) ارتفعت قيمة عملة البلد . ويترتب على دخول رؤوس الأموال إلى البلد ، سواء كانت رؤوس أموال قصيرة الأجل أو طويلة الأجل ، نفس الأثر . وبالطبع فإن صادرات الذهب تعتبر تماماًً مثل الصادرات السلعية وغير السلعية من حيث تأثيرها على قيمة العملة .
والنوع الثاني من العوامل يزيد من عرض عملة البلد ، وبالتالي يؤدي بفرض ثابت العوامل الأخرى إلى انخفاض قيمة العملة . إذ لكي يستورد بلد ما السلع أو الخدمات من الخارج ، فلابد أن يعرضوا عملتهم أو يطلبوا العملات الأخرى من خلال الجهاز المصرفي لكي يدفعوا بها قيمة الواردات. نفس الشيء يحدث بصدد التحويلات للخارج ، وتصدير رؤوس الأموال ، سواء كانت أموال قصيرة الأجل أو طويلة الأجل ، واستيراد الذهب . ومن كل ما تقدم يتضح أن الطلب على النقد الأجنبي (عرض عملة البلد) وعرض النقد الأجنبي (الطلب على عملة البلد) لا يتم لذاته وإنما لتسوية المدفوعات .
ومن هنا نقول أن الطلب على الصرف الأجنبي طلب مشتق وليس طلباًً مستقلاًً ، أنه يجد سبه في مقتضيات تسوية المدفوعات الدولية. ونفس المقولة تصدق على عرض الصرف الأجنبي. ولكن هذا الوضع آخذ في التغير بسرعة في إطار ظاهرة الكوكبة وانتشار حركات رؤوس الأموال الساخنة.
خلصنا مما تتقدم إلى أن سعر الصرف، باعتباره عدد وحدات العملة الأجنبية التي تتبادل بوحدة من العملة المحلية، يتحدد مثله كمثل أي سعر آخر، على اساس قيمة العملة. وأكدنا أن هذه القيمة تتحدد هي الأخرى بقوى العرض والطلب. ورأينا أن العرض والطلب بالنسبة للصرف الأجنبي مشقتان من الطلب الأجنبي على المنتجات الوطنية والطلب الوطني على المنتجات الأجنبية. لكن يجب أن نشير إلى أن هذه القاعدة العامة أو المبدأ العام. وهي لا تساعدنا في الإجابة على عدة أسئلة هامة مثل: هل يكون سعر الصرف ثابتا أم متغير، وإذا كان ثابتا أو متغيرا، فهل هذا الثبات أو التغير مطلق أم أن له حدود معينة؟ وما هي هذه الحدود إن وجدت؟ ووجه الأهمية في هذه الأسئلة هو أن يعر الصرف ليس كأي سعر آخر، فهو بمثابة همزة الوصل بين مستويات الأسعار في البلاد المختلفة.
نظم الصرف المختلفة:
والواقع أنه ليس هناك إجابة واحدة على أي من الأسئلة السابقة، فالأمر يتوقف على ما يسمى نظام الصرف المعمول به. والمقصود بنظام الصرف مجموعة القواعد، تسمى قواعد اللعبة التي تحدد دور كل من السلطات النقدية والمتعاملين الآخرين في سوق الصرف الأجنبي مما يكفل الإجابة على الأسئلة المتقدمة. ويمكن بصفة أساسية أن نميز نظامين للصرف: نظام أسعار الصرف الجامدة أو الثابتة، ونظام أسعار الصرف المرنة أو المتغيرة.
أولا: نظام أسعار الصرف الثاتبة:
وقد أخذ هذا النظام صورتين هما قاعدة الذهب والرقابة على الصرف.
(1) قاعدة الذهب: كانت قاعدة الذهب هي أساس النظام النقدي الدولي الذي ساد خلال القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، وتتمثل قواعد اللعبة في ظل هذا النظام في الآتي:
‌أ. تحدد كل بلد وزنا معينا وثابتا لعملتها بالذهب.
‌ب. للأفراد مطلق الحق في استبدال العملة بالذهب طبقا للمعدل الثابت المحدد بوزن وحدة العملة بالذهب.
‌ج. حرية تصدير واستيراد الذهب.
وطالما أن كل العملات سيتحدد لها وزن معين وثابت بالذهب، فإنه تتحدد نسب مبادلة أو أسعار صرف معينة بين هذه العملات.
دعنا نوضح كيف تعمل قاعدة الذهب وكيف يتولد عنها سعر صرف ثابت في حدود معينة. لنفترض أننا نبدأ من وضع التوازن في ميزان المدفوعات. ونفترض أن هذا التوازن تعرض لصدمات معينة مثل ظروف مناخية غير مواتية ترتب عليها نقص الإنتاج الزراعي وبالتالي نقص الصادرات أو زيادة الواردات. نقص الصادرات أو زيادة الواردات يعني نقص عرض العملات الأجنبية أو زيادة الطلب عليها. مما يولد ضغطا على سعر الصرف (بمعنى عدد وحدات العملة الأجنبية التي تتبادل بوحدة من العملة المحلية) نحو الانخفاض. لكن هذا الانخفاض لا يخرج عن حدود معينة. بفعل قواعد اللعبة في ظل النظام (والمتمثلة في ثبات قيمة العملة إزاء الذهب وحق استبدال العملة بالذهب عند هذه القيمة وحرية تصدير واستيراد الذهب). مثلا تصور أن الإنتاج الزراعي في القطن انخفض في بلد ما في إحدى السنوات نتيجة دودة القطن. هذا يؤدي إلى نقص الصادرات (من القطن مثلا).
(2) الرقابة على الصرف: بعد انهيار قاعدة الذهب في أوائل الثلاثينيات من القرن القائت لجأت الكثير من الدول إلى التدخل المباشر في سوق الصرف الأجنبي بغية التحكم في الكميات المطلوبة والمعروضة منه عند سعر معين. وترتب على هذا ظهور ما أصبح يعرف بنظام الرقابة على الصرف. وتتمثل قواعد اللعبة في ظل هذا النظام في أن حرية تحويل العملة إلى العملات الأخرى غير مكفولة بصفة مطلقة، وكذلك حرية تصدير واستيراد النقد الأجنبي والتعامل فيه، فهي مقيدة بقواعد معينة عند الحديث عن نظام الذهب أو نظام العملات الورقية المستقلة، حيث يتحدد سعر للصرف الأجنبي ناتج عن تفاعل قوي العرض والطلب للصرف الأجنبي في إطار قواعد اللعبة الخاصة بكل نظام. فرغم اختلاف هذه القواعد على ما رأينا، بين نظام قاعدة الذهب ونظام العملات الورقية المستقلة، إلا أنه يوجد في الحالتين سعر واحد للصرف الأجنبي. أما في ظل نظام الرقابة على الصرف فعادة ما ينشأ هناك أكثر من سوق وبالتالي أكثر من سعر للصرف الأجنبي طبقا لمعايير مختلفة يأتي في مقدمتها مجال استخدام النقد الأجنبي.
بالنسبة لنظام الرقابة على الصرف إذن تحل الإجراءات الإدارية، مثل اللوائح والتصاريح والقوانين، محل السوق في تخصيص النقد الأجنبي بحيث تتساوى الكمية المطلوبة منه مع الكمية المتاحة عند سعر الصرف الذي تحدده السلطات النقدية.
إن الرقابة على النقد (أو الرقابة على الصرف) غالبا ما يترتب عليها وجود أكثر من سوق واحدة وبالتالي أكثر من سعر واحد للصرف الأجنبي، فوجود حدود على الكمية التي يمكن لأي شخص الحصول عليها لأي غرض بالسعر الرسمي (الذي يقل عن سعر التوازن بالضرورة)، وتقييد حرية الأفراد في التعامل في النقد الأجنبي، يؤدي في ظروف معينة إلى ظهور ما يسمى السوق السوداء، ويكون سعر الصرف في السوق السوداء أعلى من سعر الصرف التوازني. والسبب في هذا هو أ، المتعامل في السوق السوداء معرض للعقوبة، إذا ما اكتشف أمره، سواء بالحبس أو بالغرامة أو بهما معا حسب مقتضى الحال. وهذا الاعتبار يدفع سعر الصرف في المعاملات غير القانونية (معاملات السوق السوداء) إلى أعلى من السعر التوازني. والفرق بين السعر الصرف التوازني وسعر صرف السوق السوداء يمثل تأمينا ضد المخاطرة التي يتحملها البائع في السوق السوداء.
ثانيا: نظام أسعار الصرف المرنة:
ويعرف أيضا بنظام العملات الورقية المستقلة. وفي ظل هذا النظام لتحديد أسعار الصرف تختفي العلاقة المحددة والثابتة بين العملات المختلفة على ما رأينا في ظل قاعدة الذهب، ويصبح سعر الصرف للعملات المختلفة رهنا بقوى السوق من عرض وطلب. وفي هذه الحالة، لا يختلف الصرف الأجنبي عن غيره من السلع الأخرى من حيث أن سعره يعكس مباشرة قيمته في السوق. فزيادة الطلب عليه. مع ثبات العرض. يترتب عليها ارتفاع سعر الصرف التوازني، وزيادة العرض منه، مع ثبات الطلب يترتب عليها انخفاض سعر الصرف التوازني، على ارتفاع سعر الصرف عن مستواه التوازني من شأنه أن يولد قوى تؤدي إلى انكماش الطلب على الصرف الأجنبي. كما أن انخفاض سعر الصرف عن مستواه التوازني من شأنه يولد قوى تؤدي إلى تمد الطلب وانكماش العرض للصرف الأجنبي. فتضيق الفجوة بين العرض والطلب. وعلى ذلك فإن ارتفاع سعر الصرف أو انخفاضه ليس بغير حدود. وهذا هو مغزى فكرة التوازن المستقر. كما أنه طبقا لنظرية تعادل القوة الشرائية التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى عندما تقلبت أسعار الصرف بشدة. فإن هناك مستوى يتذبذب حوله سعر الصرف. وهذا المستوى هو الذي يحقق تعادل القوة الشرائية للعملتين.
على أنه لا يجوز أن نتصور أن سعر الصرف في هذه الحالة يمكن أن يترك طليقا بحيث يأخذ أية قيمة، فهذا غير معقول بالطبع، فسعر الصرف يؤثر على كثير من الأسعار في الداخل والخارج (بحكم أنه همزة الوصل بين الاثنين) وبالتالي على مستوى النشاط الاقتصادي. أكثر من هذا قد ينعكس أثر سعر الصرف على درجة استقرار النظام الاجتماعي والسياسي. ولذلك فمن النادر أن نجد دولة تتبع نظام العملات الورقية المستقلة تطلق لسعر الصرف عملتها العنان دون أن تحاول التدخل للتأثير في هذا السعر ولو بطريقة غير مباشرة. ولهذه الغاية نجد السلطات النقدية (البنك المركزي) في البلاد المختلفة تحتفظ بحد أدنى من الاحتياطيات النقدية أو الأرصدة الأجنبية لكي تتمكن عند الحاجة من التدخل في سوق الصرف لكي تحافظ على سعر صرف عملتها. وتظل هذه السلطات يقظة في متابعة تحركات سعر الصرف. فإذا رأت أن هذا السعر قد اقترب من حد أدنى قدرته هي، فإنها تدخل مشترية للعملة وبائعة للنقد الأجنبي حفاظا على سعر صرف عملتها. والعكس بالعكس، إذا رأت هذه السلطات أن سعر الصرف قد اقترب من حد أقصى. ولذلك فإن نظام العملات الورقية المستقلة (التعويم) لا يعنى أن تغل السلطات النقدية يدها عن التصرف، بل إنه يتضمن درجة كبيرة من إدارة سعر الصرف.

سعر الصرف التوازني:
من أهم القضايا التي تثيرها نظرية سعر الصرف قضية المستوى التوازني لسعر الصرف، أي ذلك السعر الذي يوازن بين الكمية المطلوبة من الصرف الأجنبي والكمية المعروضة منه. ويمكن تعريف سعر الصرف التوازني بأنه ذلك السعر الذي يؤدي، خلال فترة معينة من الزمن تحقيق توازن ميزان المدفوعات. فقد رأينا أن طلب وعرض الصرف الأجنبي إنما يتم لتسوية المدفوعات الدولية، تلك المدفوعات التي تظهر في البنود المختلفة لميزان المدفوعات، وعلى ذلك فإن ميزان المدفوعات يعني تساوي الكمية المطلوبة من الصرف الأجنبي مع الكمية المعروضة منه.
لكل السؤال يثار: ما هو الأفق الزمني الذي يتم التوازن خلاله؟ إذن من البديهي أنه لو لم يتحقق التساوي بين الكمية المطلوبة من النقد الأجنبي والكمية المعروضة منع لاعتبارات تتعلق بموسمية النشاط الإنتاجي أو عملية التبادل مثلا فلا يمكن أن يفسر هذا على أنه اختلال للتوازن في سوق الصرف. فنحن إزاء وضع عابر لا يلبث أن يزول بانقضاء الموسم. ومن هنا كان لابد من أن تكون الفترة من الطول بحيث لا تتأثر المتغيرات بالتقلبات الموسمية. وبناء على هذا الاعتبار فإن فترة السنة هي أقصر فترة متحررة من أثر الموسم، إذن يجب ألا تقل الفترة التي تنظر إلى تساوي الكمية المطلوبة مع الكمية المعروضة من النقد الأجنبي خلالها عن سنة.
ومع ذلك فإن فترة السنة، وإن استبعدت التقلبات الموسمية، إلا أنها لا تستبعد التقلبات الدورية، تلك التقلبات التي تحدث على امتداد مختف مراحل الدورة الاقتصادية. ويميل بعض الكتاب إلى اعتبار فترة ثلاث سنوات فترة مناسبة. ويكون سعر الصرف الذي يحقق تعادل الكمية المطلوبة والمعروضة من النقد الأجنبي خلال فترة السنوات الثلاث هو السعر التوازني بشرط ألا يتحقق التعادل باللجوء إلى تقييد الواردات أو توليد معدلات عالية للبطالة أو التضخم.
سعر الصرف الحاضر والآجل، المضاربة والمراجحة:
لقد انتشر العمل بنظام أسعار الصرف المرنة خلال ربع القرن الأخير في معظم بلاد العالم، منذ انهيار نظام بريتون وودز (قاعدة الصرف بالذهب) عام 1973. ويفضل عدة تطورات منها ثورة النفط الأولى عام 1973-1974، وثورة النفط الثانية 1979-1980، والتقدم الهائل في وسائل الاتصال، تطورت الأسواق التي تتداول فيها العملات المختلفة وأصبحت أكثر اندماجا. بحيث يمكن القول أنه على مدى الأربع والعشرين ساعة تجري عمليات بيع وشراء العملات. فقبل أن تغلق أسواق أوربا في لندن وفرانكفورت وزيوريخ أبوابها لنهاية يوم التعامل تكون أسواق شرق الولايات المتحدة في نيويورك قد بدأت التعامل، تليها أسواق غرب الولايات المتحدة في لوس أنجليس واس فرنسيسكو. وقبل أن ينتهي اليوم فيها يكون يوم جديد قد أشرق على اسواق المحيط الهادي وشرق آسيا في طوكيو وهونج كونج وسنغافورة. وقد تعددت أنواع الصفقات وأسعار الصرف، وتداخلت عمليات النقد الأجنبي مع تدفقات رؤوس الأموال للاستثمار قصير الأجل، بل والمضاربة، وحتى صار أكثر من 90% من معاملات النقد الأجنبي التي تجري حاليا (وتقدر بأكثر من تريليون دولار يوميا) تتم لهذه الأغراض وليس لتسوية المدفوعات المرتبطة بالتجارة الدولية في السلع والخدمات أو الاستثمار طويل الأجل.
الملامح والخصائص المحددة لطبيعة الاقتصاد العالمي
بمراعاة التطورات الطارئة على العلاقات الاقتصادية الدولية
هناك العديد من الملامح والخصائص المميزة للعلاقات الاقتصادية الدولية والتي تحدد طبيعة الاقتصاد العالمي المعاصر ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين، لعل من أهمها وأبرزها – على سبيل المثال لا الحصر – إعادة توزيع القوى بين أطراف التبادل الدولي، التدويل المستمر للعلاقات الاقتصادية الدولية، ظهور أنماط جديدة من تقسيم العمل الدولي، الاتجاه نحو المزيد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل فيما بين مختلف دول العالم، ثورة المعلومات والتكنولوجيا وما نتج عنهما من تعميق لظاهرة عالمية الاقتصاد (أو ما يعرف بالعولمة)، تعاظم دور الشركات دولية النشاط التي أصبحت تعرف بالشركات متعددة الجنسيات، تزايد التكتلات الاقتصادية والترتيبات الإقليمية الجديد، فضلا عن تنامي دور المؤسسات العالمية في إدارة الشئون النقدية والمالية والتجارية للاقتصاد العالمي واتساع دائرة المشروطية المرتبطة بالتمويل الخارجي بالنسبة للدول النامية، ووجود ملامح هيكلية جديدة مميزة خاصة بتصنيف مستويات التقدم والتخلف.
ونظرا لأهمية ما تمثله الملامح والخصائص سالفة الذكر، فإنه يجمل بنا أن نعكف على التعريف بها بحسب ترتيب الإشارة إليها.
1- توزيع مراكز القوى بين أطراف التبادل الدولي:
لعل من أهم الأحداث المؤثرة في عالمنا المعاصر مع مطلع الثمانينات من القرن العشرين زوال المعسكر الاشتراكي، وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق إلى اثنتي عشرة جمهورية وتبني معظم دول العالم لنظام "اقتصاد السوق" في تسيير نشاطها الاقتصادي لتصبح طريقة الإنتاج الرأسمالية هي النظام الاقتصادي السائد عالميا.
وبناء على ما تقدم من أحداث، فقد أصبح التبادل الدولي يتم حاليابين دول ينتمي بعضها إلى القطاع المتقدم من العالم الرأسمالي (الدول الصناعية المتقدمة)، في حين ينتمي بعضها الآخر إلى القطاع المتخلف من هذا العالم (الدول النامية). هذا التبادل الدولي يتم في ظل هيمنة من القطاع المتقدم على القطاع المتخلف، وفي جو من الصراع الضاري بين ثالوث القوى الاقتصادي العظمى في القطاع المتقدم:
1- الولايات المتحدة ومجموعة النافتا التي تضم كندا والمكسيك.
2- الاتحاد الأوروبي (خمس عشرة دولة في 1996).
3- اليابان ومعها مجموعة الأسيان التي تضم مجموعة الدول المصنعة حديثا وهي هونج كونج وتايوان وسنغافورة والفلبين وتايلاند.
فالبلدان الصناعية المتقدمة (23 بلدا) والتي لا تمثل سوى 14.5% من مجموع سكان العالم تستأثر (في عام 1994) بنحو 74.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (بعد أن كان 72.2% من إجمالي الصادرات العالمية) مقابل 62.9% في عام 1980، ويصل فيها متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 19429 دولارا أمريكيا في عام 1994 (بأسعار 1988). أما البلدان النامية التي تمثل حوالي 78.5% من سكان العالم، فيقتصر نصبيهاه من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (في عام 1994) على 19.2%، ويقتصر نصبيها في الصادرات العالمية (في عام 1992) على 24.7%، ويقف فيها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عند 939 دولارا أمريكيا (في عام 1994 بأسعار 1988)، أي ما يقل عن 5% من نصيب الفرد في الاقتصاديات المتقدمة. وتزداد الصورة قتامة إذا ما علمنا أن نصيب الفرد في البلدان الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى لا يتعدى 275 دولارا، أي ما يعادل 1.4% فقط من نصيب الفرد في البلدان المتقدمة.
هذا وتتميز الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة بسيطرتها على الشروط اللازمة لتجدد الإنتاج فيها على عكس الاقتصادات المتخلفة التي تفتقر إلى هذه السيطرة وتقبع في حالة تبعية كاملة للاقتصادات المتقدمة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والمالية والتكنولوجية والثقافية. وإذا كان الاقتصاد الدولي قد تميز منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بترسيخ هيمنة رأس المال الأمريكي، بدأت في التراجع مع تزايد القوة الاقتصادية لليابان من جانب والاتحاد الأوروبي من جانب آخر.
2- التدويل المستمر للعلاقات الاقتصادية الدولية:
رغم أن الرأسمالية كانت عالمية المنشأ منذ بداية عصر الرأسمالية التجارية، إلا أن درجة التدويل وبروز أهمية النشاط الدولي كأحد السمات الجوهرية في آليات حركة النظام الرأسمالي بدأت في التعاظم مع الربع الأخير للقرن التاسع عشر حيث تزايدت، وبشكل هائل لم يعهده العالم من قبل، حركةتصدير السلع ورؤوس الأموال، وزادت درجة التشابك والترابط بين مختلف الأنشطة الاقتصادية على الصعيد العالمي، ذلك الاتجاه الذي استمر وازداد عمقا واتساعا وسرعة في العقود الأخيرة، بفضل التطورات المتلاحقة على كافة المستويات الاقتصادية والتكنولوجية. وتتمثل أهم صور هذا التدويل المستمر فيما يلي:
1. نمو التجارة الدولية بمعدلات تفوق بكثير معدلات نمو الناتج المحلي على مستوى العالم.
2. التوسع الهائل في أسواق المال العالمية وزيادة درجة تكاملها بعدما أصبحنا بصدد صناعة مالية حقيقية يتنامى حجم أعمالها وعدد منتجاتها وانتشارها على الصعيد العالمي بشكل هائل كل يوم. ومن ثم تزايد بشكل هائل حجم رؤوس الأموال التي تتبادل يوميا بين الأسواق المالية الدولية المختلفة، وبسرعة هائلة بفضل وسائل الاتصال الحديثة، وأصبح رأس المال المالي العالمي ينمو ويتحرك دون أن تربطه صلة وثيقة بعمليات الإنتاج وحاجات التمويل للتجارة العالمية، مؤكدا بذلك سيطرة الاقتصاد الرمزي على اقتصادنا العالمي المعاصر حيث تتداول مختلف أشكال الثروات المالية (كالأسهم والسندات، وأذون الخزانة ... الخ) بشكل شبه منفصل عن الاقتصاد الحقيقي (عمليات الاستثمار والإنتاج والاستهلاك ...) وفي مناخ تسوده المضاربات الضخمة.
3. تعددية العملات الدولية التي أصبحت تستخدم الآن كوسائل مقبولة عالميا في تسوية الحقوق والالتزامات، كظهور الين الياباني والمارك الألماني بقوة إلى جوار الدولار الأمريكي، وذلك بالإضافة إلى حقوق السحب الخاصة ووحدة النقد الأوروبي "ايكو"، الأمر الذي انعكس بالضرورة على تركيبة عملات الاحتياطيات الدولية، والتي لم تعد قاصرة على العملات والذهب ومركز حقوق الدولة في صندوق النقد الدولي. ومن ناحية أخرى نشطت أسواق الدولارات الأوروبية والدولارات الآسيوية وأفرزت تيارات قوية وسريعة لكميات هائلة من النقد من وإلى مختلف دول العالم، وأصبح بإمكان الشركات دولية النشاط، الفارس الرئيسي في حلبة الاقتصاد العالمي المعاصر والتدويل المتنامي لعملية الإنتاج، أن تحصل على ما يلزمها من تمويل في أي مكان في العالم من خلال ما تطرحه من أسهم وسندات – وغيرها من الأدوات المالية المبتكرة – في مختلف بورصات العالم.
4. الزيادة الهائلة في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد استقلال دول المعسكر الاشتراكي المنحل والتي دخلت، مع غيرها من الدول النامية على مستوى العالم، في سباق محموم لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية مانحة إياها كل ما يمكن تصوره من ضمانات وامتيازات وحوافز. يضاف إلى ذلك أن عددا من الدول الصناعية الحديثة (مثل سنغافورة وتايوان وهونج كونج وكوريا الجنوبية) بدأت منذ النصف الثاني من عقدة الثمانينيات تواجه مشكلات استخدام فوائض موازين مدفوعاتها، فدفعت بشطر هام من هذه الفوائض للاستثمار الأجنبي المباشر في الخارج، خاصة بعد أن اتجهت أجول العمال في داخلها للارتفاع وبدأت صادارتها تعاني من نزعة الحماية في البلاد الرأسمالية الصناعية مما أوجد قيودا على حوافز الاستثمار المحلي. كذلك فإن قرب تحقق السوق الأوروبية الموحدة لم يؤد إلى زيادة حركة الاستثمار الخاصة المباشرة بين دول السوق فحسب، بل ودفع باليابان – وغيرها – لتكثيف استثماراتها داخل دول الاتحاد الأوروبي للاستفادة من مزايا السوق الجديدة الواسعة لأوروبا الموحدة. ويكفي أن نذكر أن معدل نمو رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في التسعينيات قد فاق بكثير معدل نمو الناتج العالمي (الناتج المحلي الإجمالي) وكذلك معدل نمو الصادرات.
3- ظهور أنماط جديدة من تقسيم العمل الدولي:
يتمثل التقسيم الجديد للعمل الدولي، والذي يحكم المعاملات الاقتصادية في الاقتصاد العالمي في ثلاثة عناصر أساسية:
1. سوق عالمي وحيد تقوده مبادئ التجارة الرأسمالية.
2. دول متعددة القدرات والنظم تقودها الولايات المتحدة.
3. تقسيم ثلاثي للقوى التي تتعامل في السوق: المركز – شبه الضواحي – والضواحي. تشتمل كل منطقة منها على مجموعة من الدول، يتحدد لها أدوار ووظائف معينة في السوق (فيما يتعلق بالمعاملات الدولية).
والعناصر الثلاثة السابقة، تكون النظام الرأسمالي العالمي، ويهمنا في هذا التقسيم تحديد المناطق الاقتصادية، وأساس هذا التقسيم والوظائف والأدوار المسندة إلى كل منطقة في المعاملات الدولية.
(أ) وأول هذه المناطق المركز أو القلب أو المحور؛ وتنتمي إليها البلاد التي تتمتع ببيئة صناعية وتكنولوجية راقية تقودها الولايات المتحدة، وتشاركها اليابان وأوروبا الغربية. وتتكون حاليا من مجموعة الدول السبع والتي تمثل قمة التكنولوجيا (الولايات المتحدة – كندا – اليابان – ألمانيا – إنجلترا – فرنسا – إيطاليا) وبعض الدول الأخرى المرتبطة مثل (السويد والنمسا وبقية دول الاتحاد الأوروبي). وهذه المجموعة تتميز باستخدام العمال الماهرة ذات المعرفة المتقدمة والأجور المرتفعة، تتعدد وتتنوع منتجاتها ومشروعاتها ذات حجم كبير وتتمتع بمستويات قليلة من البطالة، وغالبا ما تكون بطالة أجنبية (العمالة غير الوطنية). ويلاحظ أن انتعاش هذه الاقتصاديات يؤدي إلى انتعش الاقتصاد العالمي، وركود هذه الاقتصاديات يؤدي إلى ركود الاقتصاد العالمي. وتحتكر هذه الدول التكنولوجيا المتقدمة كما تسود نظمها القانونية السوق الدولية وغالبا ما تحدد ظروف إنتاج بعض منتجاتها الأسعار العالمية (دور أمريكا بالنسبة للإنتاج الزراعي). وتسود هذه المجموعة كذلك حالة من الرفاهية الاقتصادية (زيادة الدخل الفردي والقومي) وتوزيع الثروة لديها يتميز بالعدالة بالنسبة للبلدان النامية كما تعتبر مناطق ومراكز رئيسية للمشروعات متعدية الجنسيات كما تعد مراكز للموارد الإستراتيجية (إنتاج وتخزين وتسويق) وتمثل مناطق جذب للاستثمارات السياحية ومناطق رئيسية للتمويل والاستثمار، وغالبا تمثل عملاتها عملات احتياط عالمية تكون غالبية السيولة الدولية.
وتتنافس دول هذه المجموعة على تصدير منتجاتها إلى المجموعة الثانية والثالثة. وتتمثل هذه المنتجات المصدرة في منتجات جاهزة ومواد غذائية، ومكونات تكنولوجية وبراءات اختراع وعلامات تحميها حقوق الملكية الفكرية الصناعية. كما تصدر سلعا إنتاجية (رؤوس أموال) تتجسد فيها المعارف التكنولوجية. وهي دائما ما تفرض شروطها عند التصدير، يقودها في تصدير بعض عناصر التكنولوجيا اعتبارات الأمن والسلامة والأهداف الإستراتيجية. وتحرم تصدير التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج (مدني – حربي)، وهي تراقب وتصدر رؤوس الأموال. وعموما فهي تسيطر على المعلومات ووسائل النقل والاتصال. وتتلقى رؤوس الأموال الهاربة من بلادها، والتي تبحث عن توظيف أو أمان في نظم ديمقراطية أصيلة. وتستورد من البلاد المتخلفة الموارد الأولية والسلع التقليدية، وتتمتع بحماية السوق الداخلية من خلال التكتلات الدولية (النافتا والسوق الأوروبية)، وبعض الإجراءات الخاصة (مثل البيئة والمواصفات),
(ب) وثاني هذه المناطق شبه الضواحي، وهي مناطق قريبة من المركز من حيث المستوى وتنتمي إليها بلاد تتمتع بقدرات تكنولوجية تقليدية، وبصناعات حديثة ترتبط بالمجموعة الأولى وبعناصر مشاركة في التكنولوجيا المتقدمة على أن تقوم بالتجميع والتركيب لحساب المجموعة الأولى. وتقوم بتصدير المنتجات الصناعية والزراعية التقليدية إلى المجموعة الأولى والثالثة، تتواجد فيها فروع متعددة للمشروع متعدية الجنسيات. وتمارس المناطق الراهنة بعض الأنشطة الصناعية، وتحصل من المجموعة الثالثة على الموارد الأساسية والأولية. ومن أهم أمثلتها جنوب أوروبا وإسرائيل وجنوب أفريقيا.
(ج) وثالث هذا المناطق الضواحي، أو الأطراف أو المناطق البعيدة عن المركز (من حيث المستوى الاقتصادي) وهي أساسا مجتمعات تقليدية متخلفة فنيا، منخفضة الأجور والمهارات وغالبا ما كانت مستعمرات سابقة ترك فيها المستعمر نظم تعليمية ورعاية صحية وتجهيزات فنية، ولكنها نظم متخلفة وشكلية وغير ديمقراطية تنقصها المهارات والتجربة أو القدرة على تطوير البنية الأساسية. تتميز المناطق الحالية بوجود الازدواجية بين القطاعات التقليدية والحديثة وتعتمد على تصدير مواد أولية أو زراعية أو منجمية، أو حتى مواد إستراتيجية (بترول) وتنشأ في بعضها بعض الصناعات التقليدية.
وتمثل هذه المناطق غالبا مرحلة معينة من الصناعة (المرحلة الأخيرة)، أو تصنيع بعض الأجزاء أو المواد البسيطة حتى تتدعم التبعية والارتباط مع الدول الكبرى، والبعض منها يقيم صناعات حديثة قليلة العمالة حتى تستمر البطالة في تأثيرها في انخفاض الأجور. وترتبط مناطق شبه الضواحي بالدول الكبرى، سواء عن طريق العلاقات التجارية وبراءات الاختراع أو عن طريق استيراد السلع الإنتاجية أو عن طريق الاستثمار المباشر (فروع الشركات متعدية الجنسيات) وهي غالبا متخلفة ثقافيا وتكنولوجيا، ولا تتمتع بالاستقلال التكنولوجي، حيث يغيب عنها البحث والتطوير أو الاختراعات النظرية أو التطبيقية. وتتميز المناطق الراهنة بسوء توزيع الدخل لتحقيق غرضين: الأول خلق قوة شرائية زائفة لشراء سلع الرفاهية المستوردة من دول المجموعة الأولى والثانية (سيارات، تليفزيونات) بأسعارها المرتفعة. والثاني تكوين رؤوس أموال داخلية قادرة على تصنيع بعض العلامات الأجنبية طبقا لشروطها ومواصفاتها. ويتحدد دور هذه المناطق في التجارة الدولية على أساس أنها سوق لتسويق منتجات الدول الصناعية أو تصنيع بعض منتجاتها أو تصدير سلعها التقليدية. وتتنافس في أسواق الدول المتقدمة بأقل الأسعار الموجودة والجودة المرتفعة، لإشباع متطلبات المقيمين بها ومعدلات المبادلة التجارية والقيم الاقتصادية مع الدول المتقدمة لصالح الأخيرة مما يجعلها تعاني من المديونية، كما توجد فجوة غذائية كبرى بينها وبين دول المجموعات الأولى والثانية، وبالنسبة لها التنمية والنمو لهما معنى واحد: زيادة كبيرة في الكميات الاقتصادية دون أن يؤدي ذلك إلى زيادة جودة الحياة لكل مواطن (التنمية).
الظواهر العامة المحددة للعلاقة بين المناطق السابقة:
وإذا كنا قد ذكرنا في التقسيم الجديد للعمل سالف الذكر أهم الخصائص الجوهرية التي تميز كل مجموعة وتحدد دورها في التجارة الدولية، فالحقيقة أن، هناك بعض الظواهر العامة الأخرى التي تحدد العلاقة بين المناطق السابقة، أو تمثل عاملا مشتركا بينها، ومن أهم هذه الظواهر:
1- أن هذا التقسيم بين المناطق المختلفة، لا يقوم على أساس جغرافي أو إقليمي، بل هو أساسا تقسيم يقوم على مناطق اقتصادية. أي أن التفرقة هي بحسب المستوى والهيكل الاقتصادي وطبيعة الظروف التي تسود الاقتصاد (مستوى الرفاهية، الثقافة التكنولوجيا، مستوى التعليم والمهارات، علاقات المساواة وغيرها)، ولذلك فهناك الكثير من دول أوروبا تنتمي إلى المجموعة الأولى، وبعض الدول الأخرى تنتمي إلى المجموعة الثانية، وهكذا. وهذا ينطبق أيضا على أمريكا اللاتينية، وجنوب آسيا، والشرق الأوسط، وأفريقيا وغيرها من المناطق الإقليمية. وإذا كان علاقات الجوار (أمريكا وكندا) لها دور كبير في نقل المعرفة، إلا أن أساس التفرقة هو "اقتصادي" ويرتبط بالحالة الاقتصادية ومستوى تقدم الاقتصاد الوطني، أي أن الحالة الداخلية هي أساس الانطلاق في الاقتصاد العالمي.
2- إن هذا التقسيم يقوم على أساس علاقات السيطرة والتبعية بين المركز والضواحي وشبه الضواحي، وتعود هذه السيطرة والتبعية، أساسا إلى احتكار المجموعة الأولى وبعض عناصر المجموعة الثانية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة وتحقيق معدلات مبادلة من حيث الكم أو القيمة لصالحها تجاه المجموعة الثالثة، وتمتعها بمركز الدائن (المديونية)، ومصدرا لرؤوس الأموال المحركة تجاه المجموعات الأخرى، وفي بعض الأحيان سيطرتها على المواد الغذائية وتحقيق فجوة غذائية تجاه المجموعات الأخرى. وعموما فالمجموعة الأولى تسيطر على وسائل ومؤسسات التمويل والمدفوعات الدولية والتجارة (صندوق النقد الدولي – البنك الدولي – منظمة التجارة العالمية)، وتفرض شروطها للإصلاح الاقتصادي لتحقيق استمرار السيطرة والتجارة على البلدان النامية.
3- أن التقسيم ليس تقسيما ساكنا أو مستقرا، بل هو تقسيم ديناميكي ومتحرك، فقد أثبتت المعجزة اليابانية وتجربة النمور الآسيوية في جنوب شرق آسيا، إمكانية الخروج من منطقة إلى أخرى (اليابان من المنطقة الثانية إلى الأولى) والنمور الآسيوية من المنطقة الثالثة إلى الثانية. كما تبين بعد الحرب العالمية الثانية، أن المعجزة الألمانية والمعجزة الإيطالية، قد أثبتت إمكانية تفوق الدول المهزومة عسكريا، من الناحية الاقتصادية على الدول التي كسبت الحرب عسكريا. كذلك فإن التغيرات الهيكلية التي أصابت الاتحاد السوفيتي (سابقا)، قد حولت روسيا من المنطقة إلى أخرى، يتوقف على طبيعة السياسات التجارية والتغيرات الهيكلية والثقافية. وتوصي المنظمات الدولية بعد هزيمة الاشتراكية – بإتباع سياسة التحول إلى اقتصاديات السوق وتطبيق الخصخصة والتحرر الاقتصادي الخارجي، باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق النمو الاقتصادي، والتنقل من منطقة إلى أخرى متقدمة. والحقيقة أن ما هو حادث أكثر تعقيدا من مجرد اختيار سياسات وأولويات معينة. فأكبر دولة حققت معدلا مرتفعا من النمو الاقتصادي واستقبالا لرؤوس الأموال، وتحولا من منطقة إلى أخرى في الاقتصاد العالمي هي دولة تتبع الأسلوب الاشتراكي (الصين). كما أن هناك دولا كثيرة حققت تقدما مذهلا في النواحي الداخلية والخارجية تطبق الأسلوب الرأسمالي (اقتصاديات السوق). وهناك دولا أخرى لم تخرج من هذا التقسيم الدول للعمل، وظلت منتمية إلى مناطق معينة، لأنها لم ترع البعد الاجتماعي لتطبيق اقتصاديات السوق، أو طبقت هذا النظام دون أن تراعي تحقيق التوازن بين القوى الداخلية والقوى الخارجية.
والواقع أن التقسيم الدولي الراهن للعمل، رتب آثارا خطيرة على العلاقات بين الدول أدت إلى خلق التكتل الاقتصادي. فمعدلات نمو الدخل الفردي أو الجماعي، والبطالة، والهجرة، أو حتى التجارة وكذلك تفاوت عدالة توزيع الدخل، لم تتحقق بمعدلات متساوية. ولم تتحقق نفس الفرص في التوظف لمن يبحثون عن التشغيل في مختلف البلدان. ومن المعروف أن بعض الوظائف لمن يبحثون عن التشغيل في مختلف البلدان. ومن المعروف أن بعض الوظائف يمكن أن تقدمها المشروعات المحلية، كما أن بعض الوظائف يمكن أن تقدمها المشروعات الأجنبية المتوطنة (الاستثمار الأجنبي المباشر) وأن هناك بعض الوظائف الأخرى التي يمكن أن تخلقها المشروعات الداخلية (وطنية أو أجنبية) لإشباع الطلب الخارجي (التصدير). وعموما فقد وجدت بعض الدول في التكتلات الاقتصادية الإقليمية من خلال الأسواق أو المناطق الجمركية الحرة أو غيرها، الوسيلة والأداة لتحقيق النمو الاقتصادي وزيادة القدرة الاقتصادية والسيطرة على التجارة الخارجية واحتلال مركز متقدم في المناطق الاقتصادية، حيث أن التكتل الاقتصادي يعني توسيع السوق، وتحويل المشروعات الوطنية إلى مشروعات كبيرة، تستفيد من مزايا الإنتاج الكبير. وهكذا "تشجع التجارة الخارجية غير المحدودة" من مستوى الإنتاجية والكفاءة والمنافسة. وتدفق الإيرادات والصادرات من خلال هذا السوق (التكتل) كفيل بتحقيق النمو، مع فرض عوائق كثيرة عن طريق التجارة الخارجية (الجمارك – الحصص – الرقابة)، ضد المنتجات الواردة من خارج التكتل. فالتكتل الاقتصادي هو الوسيلة الوحيدة لخلق السوق الكبيرة والمتسعة، لتحقيق النمو الاقتصادي وتبوأ مركز متقدم في التقسيم الدولي للعمل ومع ذلك مازال الاقتصاد العربي يتعثر في إقامة السوق العربية المشتركة.
4- الاتجاه نحو المزيد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل فيما بين الدول:
ساعد تحرير التجارة الدولية وتزايد حرية انتقال رؤوس الأموال الدولية، مع وجود الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، بشكل كبير على الترابط بين مختلف دول العالم وتأكيد عالمية الأسواق.
ونتيجة التطورات الطارئة على الاقتصاد العالمي المعاصر في ذلك إلى إسقاط حاجز المسافات بين الدول والقارات مع ما يعنيه ذلك من تزايد احتمالات وإمكانيات التأثير والتأثر المتبادلين وإيجاد نوع جديد من تقسيم العمل الدولي الذي يتم بمقتضاه توزيع العملية الانتاجية الصناعية بين أكثر من دولة بحيث يتم تصنيع مكونات أي منتج نهائي في أكثر من مكان واحد. وتشير هذه الاتجاهات إلى تغير موازين القوة الاقتصادية وتطرح معايير جديدة لهذه القوة تلخصت في السعي إلى اكتساب الميزة التنافسية للأمم في التسعينات في إطار اتجاه كل أطراف الاقتصاد العالمي إلى التنافسية، وبالتالي لم تعد الركيزة الأساسية للقوة والقدرة الاقتصادية هي الموارد الطبيعية بل أصبحت الركيزة الأساسي في ذلك في امتلاك الميزة أو القدرة التنافسية في المجال الدولي التي تدول حول التكلفة والسعر والإنتاجية والجودة وهو ما عمق الاتجاه نحو الاعتماد المتبادل.
ولقد أدت كل هذه التطورات مجتمعة إلى زيادة درجة الاعتماد المتبادل بين دول العالم المختلفة كان من نتيجتها ظهور آثار عديدة أصبحت من السمات الأساسية للاقتصاد العالمي في العقد الأخير من القرن العشرين لعل من أهمها:
1. زيادة درجة التعرض للصدمات الاقتصادية الوافدة من الخارج، نظرا للارتفاع الكبير في نسبة النشاط الاقتصاد المعتمد في رخائه أو كساده على ما يحدث في العالم الخارجي.
2. سرعة انتقال الصدمات الاقتصادية – إيجابية كانت أو سلبية – من ركن إلى آخر من أركان الاقتصاد العالمي. فإذا حدثت موجة انتعاشية مثلا في الولايات المتحدة الأمريكية فإنها تنتقل سريعا إلى البلد الصناعية الأخرى والبلاد النامية، وكذلك إذا حدثت موجة انكماشية. ولم يعد ذلك مقصورا على ما يحدث في البلاد الصناعية الكبرى بل إن ما يحدث في إحدى البلاد النامية نقد يكون له نفس التأثير على أجزاء أخرى من العالم. ويكفي أن نشير إلى الأزمة الأخيرة في المكسيك حين اتخذت الحكومة قرارا بتخفيض قيمة العملة لعلاج عجز شديد في ميزان المدفوعات، وأدى ذلك إلى هروب كميات ضخمة من رؤوس الأموال كان لذلك أصداؤه في كل أسواق المال وكاد أن يفضي إلى أزمة ذات أبعاد عالمية لولا التدخل السريع من الولايات المتحدة الأمريكية وصندوق النقد الدولي.
3. تزايد أهمية الاقتصاد الدولي والتجارة الدولية كعامل محدد من عوامل النمو في البلاد المختلفة، حيث من المعروف أن نمو الناتج القومي يتوقف بصفة أساسية على حجم ونوعية الاستثمارات وعلى سلامة السياسات الاقتصادية الكلية والجزئية وعلى حجم الصادرات، حيث كانت الصادرات تلعب دورا ثانويا بالقياس إلى العاملين الآخرين وهي الاستثمارات ونوعية السياسات الاقتصادية، ولكنها بعد زيادة درجة الاعتماد المتبادل أصبحت مصدرا لا يقل في أهميته عن المصادر الأخرى.
4. أن السياسات الاقتصادية الداخلية للبلاد الصناعية الكبرى أصبحت ذات آثار تتجاوز حدودها وتترك بصماتها على اقتصاديات البلاد الأخرى، بل لقد أصبح من الصعب التمييز بين السياسات الاقتصادية الداخلية والسياسات الخارجية من حيث ما يتولد عنهما من آثار تقع على البلاد الأخرى.
ويكي الإشارة إلى أي حد يؤثر الارتفاع الطفيف في أسعار الفائدة على الولايات المتحدة الأمريكية أو ألمانيا أو اليابان وكذلك على البلاد الأخرى بل على الاقتصاد العالمي.
5. زيادة درجة التنافسية في الاقتصاد العالمي زيادة كبيرة وينتج ذلك عن إزالة أو تخفيف العوائق في درجة التدفقات الدولية السلعية والمالية وقيام أسواق عالمية في السلع والخدمات المختلفة تتصارع فيها البلاد المختلفة.
ولعل الاتجاه نحو الإقليمية الذي انعكس في قيام تكتلات اقتصادية عملاقة يمثل نوعا من التأمين ضد الحدة المتزايدة للمنافسة الدولية.
5- ثورة المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا وتعميق عالمية الاقتصاد:
كذلك يتميز الاقتصاد العالمي حاليا بوجود ما يعرف بالثورة الصناعية الثالثة التي تمثل ثورة علمية في المعلومات والاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا كثيفة المعرفة.
ومن المتوقع أن يشهد هذا الاقتصاد في تطوره الراهن وخلال سنواته القليلة القادمة تعميقا مكثفا للثورة العلمية والتكنولوجية في جوانبها المتعددة وأهمها المعلوماتية ودورها المتزايد في مجالات الحياة المختلفة والتقنيات الحيوية، وتخليق الموارد أو استنباط مواد جديدة، والإلكترونيات الدقيقة والإدارة الذاتية والعلمية والإنسان الآلي وتحرير الإنتاج الصناعي من الاعتماد الكبير على المواد الأولية وعلى العمالة. وقد انعكس ما تقدم على الفن الإنتاجي السائد الآن فأصبح فنا إنتاجيا كثيف المعرفة إذ تتمثل القاعدة الأساسية لهذه الثورة في البحوث العلمية والتكنولوجية المكثفة.
وتمثل الثورة الصناعية الثالثة الأساس المادي للاقتصاد العالمي في المرحلة الحالية وتلعب دورا محوريا في تشكيله حيث تعد محرك التغير في جميع أجزائه. ولقد ترتب على هذه الثورة العديد من النتائج لعل من أهمها:
1. ثورة في الإنتاج تمثلت في احتلال المعرفة والمعلومات الأهمية النسبية الأولى في عملية الإنتاج، كما انعكست في ظهور أنماط جديدة لتقسيم العمل الدولي حيث ظهر تقسيم العمل داخل السلعة الواحدة بحيث يتم توزيع إنتاج الأجزاء المخلفة من السلعة الواحدة على دول العالم المختلفة وفقا لاعتبارات الكفاءة الاقتصادية.
2. ثورة في التسويق نتيجة لعجز الأسواق المحلية عن استيعاب إنتاج المشروعات العملاقة ونتيجة للثورة في عالم الاتصال والمواصلات، حيث أصبح الصراع على الأسواق العالمية أمرا حتميا لضمان الاستمرار. وقد يفسر ذلك جزئيا الاتجاه إلى تكون التكتلات الاقتصادية والاندماج الاقتصادي والإقليمي بل وقيام التحالفات الإستراتيجية بين الشركات (المتعدية الجنسيات) التي تلعب دورا متزايدا في هذا المجال. وفي دائرة هذه التكتلات الاقتصادية العملاقة اتضح أن 92% من أصل 4200 تحالف إستراتيجي بين هذه الشركات تمت مع بداية عقد التسعينات بين الثلاثة الكبار في قمة الهرم القطبي الممثل في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي واليابان.
3. النمو الكبير والمتعاظم في التجارة الدولية والتدفقات المالية، الناتجة عن الثورة التكنولوجية من ناحية وتحرير التجارة من ناحية أخرى.
4. تزايد الاتجاه نحو المزيد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. وشاركت في ذلك أيضا الثورة التكنولوجية، والنمو المتزايد للتجارة الدولية وحركات رؤوس الأموال عبر الدول، حيث ارتبط الاقتصاد العالمي بشبكة جديدة من العلاقات التجارية والمالية، ولا يستطيع أحد أن يعزل نفسه عن ذلك على نطاق أي دولة من دول العالم، بل إن الصدمات الاقتصادية الخارجية أصبحت تؤثر في باقي أطراف العالم إذا حدثت في إحدى أطرافه.
وكل هذه الآثار الناتجة عن الثورة التكنولوجية أو الثورة الصناعية الثالثة بما تتضمنه من ثورة اتصالات ومواصلات ومعلومات أدت إلى تعميق عالمية الاقتصاد أو خاصية العولمة التي تتميز بها العلاقات الاقتصادية الدولية بحيث أصبت تشكل بحق اقتصاد عالمي وليس مجرد اقتصاد دولي نتيجة لتعمق الاتجاه نحو العالمية وتحول العالم إلى قرية صغيرة محدودة الأبعاد متنافسة الأطراف. فالعالمية لم تعد تسمح بترك أي بقعة في العالم معزولة عن السياق العالمي، بل تعمل على تعميق التوحد على كافة المستويات الإنتاجية والتمويلية والتكنولوجية والتسويقية والإدارية ولا شك أن الشركات دولية النشاط المتعدية الجنسيات وتعاظم دورها في الاقتصاد العالمي تعمق أيضا من عالمية الاقتصاد.
6- تعاظم دور الشركات دولية النشاط أو متعدية الجنسيات:
لعل من الضروري الإشارة إلى أن الشركات دولية النشاط التي أصبحت تعرف بالشركات متعدية الجنسيات، هي أيضا الشركات عابرة القوميات، وأخيرا هي الشركات عالمية النشاط والتي تعتبر في كل معانيها إحدى السمات الأساسية للاقتصاد العالمي، فهي تؤثر بقوة على هذا الاقتصاد العالمي من خلال ما يصاحب نشاطها في شكل استثمارات مباشرة ومن نقل التكنولوجيا، والخبرات التسويقية والإدارية، وتأكيد ظاهرة العالمية في كافة المستويات الإنتاجية والتمويلية والإنتاجية والتكنولوجية والتسويقية والإدارية.
ويكفي الإشارة في هذا المجال إلى أن هذه الشركات العملاقة ذات الإمكانيات التمويلية الهائلة، تلعب دور القائد في الثورة التكنولوجية التي نقلت الفن الإنتاجي إلى أن يصبح فنا إنتاجيا كثيف المعرفة، وبالتالي فهي من هذا المنظور تعمق الاتجاه نحو العالمية (أو العولمة) أو عالمية الاقتصاد.
ومن ناحية أخرى يلاحظ أن هناك العديد من المؤشرات الأخرى الدالة على تعاظم دور الشركات الراهنة في تشكيل وتكوين وأداء الاقتصاد العالمي، لعل من أهمها:
1. ما يشير إليه التقرير الذي نشرته مجلة فرشن في يوليو 1995 عن أكبر خمسمائة شركة متعدية الجنسيات بالعالم من أن إجمالي إيراداتها يصل إلى حوالي 44% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتستحوذ الشركات المتعدية الجنسيات في مجموعها على حواليي 40% من حجم التجارة الدولية، ومعظم الاستثمار الأجنبي المباشر في أنحاء العالم، ولذلك تلعب دورا مؤثرا في التمويل الدولي.
2. أن حوالي 80% من مبيعات العالم تتم من خلال الشركات متعدية الجنسيات وهو يوضحخ مركزها في التسويق الدولي وأن إنتاج أكبر 600 شركة متعدية الجنسيات وحدها يتراوح ما بين 1/4، 1/5 القيمة المضافة المولدة من إنتاج السلع عالميا.
3. كذلك تجاوزت الأصول السائلة من الذهب والاحتياطيات النقدية الدولية المتوافرة لدى الشركات المتعدية الجنسيات حوالي ضعفي الاحتياطي الدولي منها ويدل هذا المؤشر على مقدار تحكم هذه الشركات في السياسة النقدية الدولية والاستقرار النقدي العالمي.
4. يضاف إلى ذلك الدور القائد الذي تلعبه الشركات متعدية الجنسيات في الثورة التكنولوجية، فهي مسئولة عن نسبة كبيرة من الاكتشافات التكنولوجية التي يرجع معظمها لجهود البحث والتطوير التي قامت بها هذه الشركات.
ولعل من الواضح أن هذه المؤشرات وغيرها توضح تماما الدور المتعاظم للشركات متعدية الجنسيات في العلاقات الاقتصادية القائمة في نطاق الاقتصاد العالمي المعاصر.
7- تزايد التكتلات الاقتصادية والترتيبات الإقليمية الجديدة:
لعل الاتجاه إلى تكوين التكتلات الاقتصادية العملاقة بين مجموعة من الدول التي يتوافر فيها عدد من المقومات المتجانسة اقتصاديا، وثقافيا وحضاريا وتاريخيا والتي تربطها في النهاية مصالح اقتصادية مشتركة، هي من أهم الخصائص المميزة للاقتصاد العالمي المعاصر، أضف إلى ذلك وارتباطا به وجود ترتيب ات إقليمية جديدة تتكون في إطار هذا الاتجاه وتأثرا به وفي إطار السعي إلى تعميق المصالح الاقتصادية المشتركة للدول المكونة لهذه الترتيبات الإقليمية وربطها بالترتيبات الاقتصادية العالمية التي تتشكل أو تشكلت.
ويكفي للدلالة على تأكيد خاصية تزايد التكتلات الاقتصادية والترتيبات الإقليمية الجديدة، أن أحد الدراسات التي أجراها صندوق النقد  الدولي تشير إلى أنه توجد في الوقت الحاضر (عام 1995) على مستوى العالم حوالي 45 من أنظمة التكامل الاقتصادي (ومن ثم التكتل الاقتصادي) في مختلف صورها ومراحلها، تشمل 75% من دول العالم، وحوالي 80% من سكان العالم وتسيطر على 85% من التجارة العالمية.
ولعل من أهم التكتلات الاقتصادية العملاقة التي تكونت تريبا، نجد أن هناك الاتحاد الأوروبي الذي يكاد يكون اكتمل مع بداية 1994 ليكون أحد الكيانات الاقتصادية العملاقة ذات التأثير القوي على التجارة العالمية، والتكتل الاقتصادي لمجموعة الدول الأمريكية الذي ظهر منذ يناير 1989 وتطور في فبراير 1991 ليضم الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك ويعرف باسم النافتا وهناك محاولات لمد جسر التعاون الاقتصادي لدول أمريكا اللاتينية.
وهناك التكتل الاقتصادي في منطقة شرق آسيا وغرب الباسفيك حيث توجد ثلاثة محاور رئيسية للتجمع الاقتصادي في تلك المنطقة، والذي يبرز دور النمو الآسيوية ومعهم اليابان في النظام الاقتصادي الراهن، وهذه المحاور هي:
1. المحور الأول: رابطة جنوب شرق آسيا المعروف باسم الأسيان ويضم ستة دول.
2. المحور الثاني: جماعة التعاون الاقتصادية لآسيا المعروفة اختصارا باسم "أبيك" وتضم 12 دولة.
3. المحور الثالث: جماعة جنوب آسيا وشبه القارة الهندية والمعروقة باسم "سارك" وتضم 7 دول وهم الأكثر فقرا.
والأهم أن محاولات التعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء في هذه التكتلات تتراوح بين حرية انتقال السلع والخدمات بدون قيود تعريفية أو غير تعريفية وإقامة بعض المشروعات المشتركة وعقد اتفاقيات التبادل العيني للسلع بدون عملات حرة، وحرية انتقال رؤوس الأموال بهدف الاستثمار المباشر، فيما عدا التكتل الاقتصادي الممثل في الاتحاد الأوروبي الذي خطا خطوات أوسع وأكبر من ذلك. وتعكس هذه التكتلات درجة عالية من كثافة الاعتماد المتبادل وتقسيم العمل والاستثمارات والتجارة وأنواع التبادل الأخرى، وتعمل الشركات المتعدية الجنسيات على إيجاد نوع من الترابط بين هذه التكتلات.
8- تنامي دور المؤسسات العالمية في إدارة الشئون النقدية والمالية والتجارية للاقتصاد العالمي:
لعل من الخصائص الهامة للاقتصاد العالمي المعاصر، هو تزايد دور المؤسسات العالمية في إدارة هذا الاقتصاد بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بتفكك الاتحاد السوفيتي السابق وبالتالي تلاشي التنظيمات الاقتصادية لهذا المعسكر، وإنشاء منظمة التجارة العالمية في أول يناير 1995 وانضمام معظم دول العالم إليها، ومن ثم اكتمال الضلع الثالث من مؤسسات الاقتصاد العالمي التي تعمل على إدارته من خلال تطبيق مجموعة السياسات النقدية والمالية والتجارية المؤثرة في السياسات الاقتصادية لمعظم دول العالم، حيث أصبح هناك ثلاثة مؤسسات تقوم على إدارة هذا النظام من خلال تطبيق تلك السياسات هي:
1. صندق النقد الدولي، المسئول عن إدارة النظام النقدي الدولي.
2. البنك الدولي وتوابعه، المسئول عن إدارة النظام المالي الدولي.
3. منظمة التجارة العالمية، المسئولة عن إدارة النظام التجاري العالمي.
وقيام الاقتصاد العالمي على تلك المؤسسات يعتبر من أهم الدعائم المميزة له، حيث أصبح هناك إطار مؤسسي متكامل لهذا الاقتصاد.
ويلاحظ على هذه المؤسسات العالمية في العقد الأخير من القرن العشرين أنها تتجه إلى إدارة النظام الاقتصادي العالمي من خلال آليات جديدة، في إطار من التنسيق فليما بينها لضبط إيقاع المنظومة العالمية، حيث يؤدي تطبيق تلك الآليات إلى تزايد دور المؤسسات سالفة الذكر في إدارة الشئون النقدية والمالية والتجارية للعالم.
فمثلا منظمة التجارة العالمية، أصبحت تتعامل في مجال إدارة النظام التجاري الدولي، ليس فقط مع السلع القابلة للتجارة الدولية بل ايضا مع تجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية والأدبية والعينية وقوانين وإجراءات الاستثمار المتعلقة بالتجارة الدولية. كما أعطت هذه المنظمة مهلة لعمليات تحرير التجارة الدولية في تلك المجالات، وتتعامل بحسم مع قضايا الإغراق والدعم، ولا جدال أن كل ذلك يزيد من دور منظمة التجارة العالمية في تسيير مختلف جوانب المعاملات التجارية القائمة محيط الاقتصاد العالمي المعاصر.
وكذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من خلال ما يقومان بتطبيقه من برامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي التي شملت الكثير من دول العالم في العقد الأخير من القرن العشرين، وبالتالي يزداد دورها بشكل واضح في تسيير دفة النظامين النقدي والمالي الدوليين، ناهيك عن تعاظم هذا الدور في ظل تزايد مبدأ المشروطية الذي يقومان بتطبيقه بصورة متعاظمة منذ عقد الثمانينات وحتى الآن.
10- اتساع دائرة المشروطية المتبادلة بالتمويل الخارجي:
وهذه الخاصية مرتبطة بالخاصية السباقة مباشرة المتعلقة بتزايد دور المؤسسات العالمية في إدارة الشئون النقدية والمالية والتجارية للاقتصاد العالمي المعاصر، حيث ترتب على تزايد أهمية الدور الذي يقوم به كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اتساع دائرة المشروطية المرتبطة بالتمويل الدولي، حيث أصبح الاتفاق مع صندوق النقد الدولي من جانب حكومة أي دولة عضو، شرطا ضروريا للحصول على موارد مالية من مصادر التمويل الدولي المختلفة، سواء المصادر الرسمية الجماعية أو الثنائية أو البنوك التجارية، فيما يمكن أن يطلق عليه شهادة الجدارة الائتمانية الدولية، بل إن الاتفاق مع صندوق النقد للدول أصبح أيضا شرطا للحصول على الموافقة على إعادة جدولة الديون الخارجية للدول المعنية مع مجموعة الدائنين في نادي باريس.
ومن ناحية أخرى أصبح الاتفاق مع صندوق النقد الدولي سواء في صورة اتفاق مساندة أو في صورة تسهيل ممتد لا يكون ميسورا إلا بالتزام البلد المدين بتنفيذ برنامج تصحيحي يتناول السياسات الاقتصادية الكلية مثل سعر الصرف وسعر الفائدة وغيرها.
وقد حدث نفس التطور في إطار البنك الدولي، حيث استحدث البنك الدولي نوعا جديدا من القروض، هي قروض التصحيحات الهيكلية، وهذه القروض مشروطة بالتزام البلد المدين بإجراء التصحيحات الهيكلية مثل تطبيق سياسة التخصيصية (الخصخصة) وإعادة النظر في أولويات الاستثمار، وتحرير التجارة الخارجية وغيرها.
بل وأعقب ذلك نشوء ما يسمى بالمشروطية أو الاشتراطية المتبادلة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث أصبح الحصول على موارد مالية من إحدى المنظمتين يتوقف على تنفيذ اشتراطية المنظمة الأخرى، ومن ثم لم يعد من الممكن الحصول على قروض للتصحيحات الهيكلية من البنك الدولي إلا بشرط الوصول إلى اتفاق مساندة مع صندوق النقد الدولي والعكس صحيح في بعض الحالات.
وأكثر من ذلك اتسع نطاق المشروطية (أو الاشتراطية) حتى امتد إلى المساعدات الرسمية الثنائية، فقد أصبحت مشروطة في حالات كثيرة بالحصول على شهادة (الجدارة الائتمانية) من صندوق النقد الدولي. وهكذا أحكمت الحلقات على البلاد المدينة فيما يتعلق بالتمويل الدولي، فهي إذا اتفقت مع صندوق النقد الدولي وبشروطه انفتحت أمامها أبواب التمويل الدولي أو الخارجي، وإن رفض مطالب الصندوق فإنها في هذه الحالة تجد كل المنافذ موصدة في وجهها في ظل التعاون الدولي القائم حاليا بين مصادر التمويل الدولية المختلفة حيث أصبح يوجد بالاقتصاد العالمي نوع من التنسيق بين مصادر التمويل المختلفة في ظل المشروطية الدولية.
11- وجود ملامح هيكلية جديدة للاقتصاد العالمي المعاصر:
إلى جانب ما أوضحته التحليلات السابقة للتطورات الطارئة على المعاملات الدولية من جوانب هيكلية مختلفة سواء من حيث التكتلات الاقتصادية التي تكونت، أو الشركات المتعدية الجنسيات التي تعملقت، أو النظم النقدية والمالية والتجارية التي تكاملت، فإنه يمكن فوق كل ذلك أن نلمح ملامح هيكلية جديدة للاقتصاد العالمي من حيث مستتوى التطور ومعدل النمو الاقتصادي، حيث اصبح تقسيم الدول في الاقتصاد العالمي لا يخضع للتقسيم القديم، أي وجود دول متقدمة ودول نامية فقط أو غنية وفقيرة فقط بل أصبحت الهيكلية الجديدة للاقتصاد العالمي المعاصر تستوعب التقسيمات والتكوينات التالية:
1. مجموعة الدول الأعلى تطورا وهي على وجه التحديد الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية وشمال شرق آسيا (اليابان)، وتعتبر من البلدان الأعلى دخلا.
2. البلاد النامية والساعية على طريق النمو وتشمل البلاد حديثة التصنيع في شرق آسيا (بالإضافة إلى الصين) وبعض دول أمريكا اللاتينية، وتعتبر فئة بلدان "الدخل المتوسط" في العالم.
3. البلاد المتخلفة اقتصاديا وهي ما يمكن أن يعبر عنها بالبلاد الأقل نموا وتقع ضمن الشريحة الدنيا من فئة الدخل الأوسط والشريحة العليا من فئة الدخل المنخفض.
4. البلاد المتأخرة اقتصاديا وتنقسم من ناحيتها إلى قسمين: 
1. أقل البلاد نموا وتقع تقريبا ضمن الشريحة الوسطى من الفئة منخفضة الدخل.
2. وفي أدنى القاع يوجد القسم الذي نسميه أقل البلاد الأقل نموا وهي الشريحة الدنيا من الفئة منخفضة الدخل وتشمل الأجزاء الأشد فقرا من العالم الثالث.
ويمكن لهذه الهيكلية الجديدة أن تبرز أنماطا جديدة لتقسيم العمل الدولي من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن الدول الساعية إلى النمو أن تصل في مرحلة إلى مصاف الدول الأعلى تطورا في وقت ليس ببعيد، ويمكن بالتالي أن تلعب دورا متصاعدا في تشكيل الاقتصاد العالمي المعاصر وموازينه، بينما هناط دول في أدنى القاع سيظل دورها هامشي لأمد بعيد، أما البلاد المتخلفة والمتأخرة اقتصاديا إذا لم تنشط وتكون على مستتوى التنافسية التي تسود هذا  الاقتصاد فقد تسقط في أدنى القاع.
يترتب على قيام التبادل الدولي بين مختلف الدول ارتباطها ببعضها بعلاقات دائنية ومديونية متبادلة تتطلب تسويتها إجراء مدفوعات خارجية بين مختلف أطرافها. ويمكن النظر إلى هذه العلاقات من زاويتين: زاوية الوضع القائم في لحظة معينة فنجرد ما للمقيمين في الدولة من حقوق وما عليهم من التزامات قبل غير المقيمين نتيجة لشتى ما تحقق في الماضي من تلك العلاقات، وزاوية الأحداث التي تحققت في خلال فترة معينة من الزمن فنسجل مختلف ما انعقد من عمليات اقتصادية بين الداخل والخارج أثناء تلك الفترة.
والفرق بين هاتين الزاويتين إن هو كما هو ظاهر إلا الفرق المعروف والدارج في مراجع المحاسبة بين الصورة الفوتوغرافية التي تعكس الحالة القائمة في لحظة أخذها والشريط السينمائي الذي يسجل مختلف الأحداث التي تمت في فترة سابقة، ذلك الفرق بين زاوية وضع ميزانية للوحدة الاقتصادية (أصول وخصوم) وزاوية وضع حساب لدخلها (إيرادات ومصروفات).
وبتطبيق ذلك على العلاقات بين المقيمين وغير المقيمين في محيط العلاقات الاقتصادية الدولية، يمكن التفرقة بين ما يسمى "ميزان الدائنية والمديونية الدولية" وما يسمى "ميزان المدفوعات الدولية"، بين سجل الحقوق والديون الدولية لاقتصاد معين وسجل ما عقده هذا الاقتصاد من عمليات مع الخارج خلال فترة معينة من الزمن.
ونخصص الفصل الحالي لدراسة الميزان الأولى بإيجاز، ثم نعرض لبحث الميزان الثاني بشيء من التفصيل.
3- السياسات التجارية للدول النامية:
لا ترتبط السياسات التجارية للدول النامية فقط بأهداف تنظيم العلاقات الخارجية الاقتصادية (كالقضاء على العجز أو الاختلال في ميزان المدفوعات)، وإنما ترتبط ارتباطا وثيقا بأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تسعى إلى تحقيقها هذه الدول، سواء من حيث نمو الناتج القومي وعدالة توزيعه (الرفاهية) أو القضاء على البطالة وزيادة التشغيل وتحقيق الاستقرار وتحسين ظروف المعيشة. فالسياسات التجارية الخارجية من أهم أدوات تحقيق النمو الاقتصادي المحلي وهي جزء متكامل من السياسات الاقتصادية الكلية وتدور في إطارها. واستقرار وسلامة هذه السياسات في مجموعها، شرط اساسي لتحقيق الأهداف السابقة، ومن خلال الممارسات التاريخية المتعلقة بالتجارة الخارجية للبلدان النامية، كان هناك اتجاهان رئيسيان لوحظ وجودهما في السياسات التجارية المطبقة تمثلا في سياسة إحلال الواردات وسياسة التوجه نحو الصادرات لتحقيق النمو.
(أ) سياسة إحلال الواردات:
قبل فترة الستينات بقليل وما بعدها وإتمام الترر السياسي لكثير من البلاد، أن التحرر السياسي لابد أن يتبعه الاستقلال الاقتصادي. ولقد فهم في هذه المرحلة أن الاستقلال الاقتصاي يفترض تطبيق مبدأ الاعتماد على الذات وتحقيق أكبر قدر من الإشباع الذاتي عن طريق الإنتاج المحلي. وهذه القواعد أصبحت تمثل محاور التنمية الاقتصادية، خاصة وأن الذكريات كانت مليئة بحماس الكفاح المسلح تجاه المستعمر، والحرب الأجنبية أو الأ÷لية أو الإقليمية التي تعرضت لها هذه الدول بعد الاستقلال وأن هذه البلاد كانت تعاني أيضا من آثار الحرب العالمية الثانية وآثارها، المفروضة عليها، سواء من جانب قوات الحلفاء أو قوات المحور، فضلا عن التبعية الاقتصادية والنقدية التي فرضتها الدول الكبرى من خلال الكتل النقدية الدولية.
وفي إطار هذه الظور فكانت اقتصاديات الدول النامية تعاني من الضيع وانهيار البنية الأساسية وانخفاض في الدخل والإنتاج وتدني مستويات التعليم والصحة وابتعاد هذه الدول عن مصادر أسواقها الطبيعية ومصادر رأس المالي والموارد الأولية وزيادة معدلات البطالة والفقر والسكان.
وبالرغم من اختلاف غالبية هذه الدول، في اتجاهاتها السياسية أو الأيديولوجية واختلاف مستويات التنمية فيها، إلا أنها أجمعتة على سياسة اقتصادية موحدة في مجال التجارة الدولية، تحقق أهدافها السابقة، وتتبع من مفهومها الخاص للتنمية ومقوماتها، هي سياسة إحلال الواردات. وهذه السياسة كانت تتفق مع الظروف الاقتصادية التي كانت سائدة في هذه المرحلة، حيث أن التنمية الاقتصادية – من الناحية الفكرية – كانت متأثرة بأفكار "نيركس" في الحلقة المفرغة للفقر.
ومن خلال تلك الظروف، ظهرت فكرة أساسية لتنظيم التجارة الدولية بهدف إلغاء العجز في ميزان المدفوعات وزيادة التراكم الرأسمالي والنمو عن طريق القيام بعمليات تصنيعية، لإحلال المنتجات المحلية محل الواردات من المنتجات الأجنبية بغية تخفيض العجز في ميزان المدفوعات وتتحقق التنمية الاقتصادية بصرف النظر عما إذا كانت هذه اصناعات المحلية تتمتع بالمزايا النسبية أو القدرة على تخفيض التكاليف وزيادة القدرة التنافسية. والواقع أن هذه السياسة كانت تهدف إلى تحقيق هدف مزدوج: القضاء على العجز في ميزان المدفوعات والتنمية الاقتصادية.
وقد تراوحت سياسات التصنيع هذه – من الناحية الواقعية – بين إعطاء الأولوية للصناعات الثقيلة والإنتاجية (النموذج السوفيتي والصيني) وبين إعطاء الأولوية للصناعات الخفيفة والاستهلاكية (مصر والهند). وغالبا وما كانت تطبق هذه السياسة على مرحلتين: المرحلة الأولى وتقوم على تصنيع وإحلال الواردات من السلع الاستهلاكية والبسيطة وغير الدائمة (الملابس مثلا) على أساس أن هذه الصناعات والمنتجات تحتاج إلى فن إنتاجي كثيف العمل لا يحتاج إلى كثافة في رأس المال أو التكنولوجيا. وهذا الفن الإنتاجي يعكس الظروف السائدة في اقتصاديات الدول النامية، من حيث توافر العمالة الرخيصة قليلة المهارة ونقص في رأس المال والتكنولوجيا. كما أنها لا تحتاج إلى إدارة اقتصادية متقدمة أو هيكل اقتصادي معقد، كما لا تحتاج إلى شبكة توزيع واسعة. وغالبا ما يكون الإنتاج بسيطا ضئيلا، ويتم من خلال مشروعات صغيرة أو متوسطة وبتكنولوجيا متواضعة، لا تستفيد من مزايا الإنتاج الكبير وتوزع في الأسواق المحلية فقط.
وتعمل الدولة في مرحلة ثانية على إنتاج السلع الاستهلاكية الدائمة (السيارات والثلاجات مثلا) وكذلكس السلع المتوسطة ومستلزمات الإنتاج والتجهيز (الصلب والصناعات الكيماوية). وهذه المرحلة تمثل التحدي الأكبر للبلاد النامية؛ لأنها تحتاج إلى كميات كبيرة من رأس المال والتكنولوجيا المعقدة والمتقدمة. كما أنها تحتاج إلى هياكل صناعية مركبة وإدارة اقتصادية عالية المهارة وكافة العناصر الأخرى الت يتنقص البلدان النامية. ولكي تحصل هذه البلاد على هذه العناصر لابد أن تحل أولا المشكلة الزراعية والفجوة الغذائية بحيث لا تشكل هذه المواد ضغطا على ميزان المدفوعات وأن تصدر هذه الدول موادها التقليدية والفائض من المواد الزراعية والمواد الأولية (المواد الزراعية والمعدنية) وتحافظ على معدلات المبادلة بين قيم السلع المصدرة من المواد التقليدية، وقيم السلع المستوردة من البلاد المتقدمة تكنولوجيا أو تتميز بالسبق الصناعي، كما يمكنها أيضا أن تحل على القروض إذا لزم الأمر لاستيراد التكنولوجيا من هذه البلاد.
ولقد ساعد على فاعلية هذه السياسة حين ذلك، عوامل داخلية وعوامل خارجية. أما العوامل الداخلية، فقد تمثلت في أن كل دولة نامية اتبعت هذه السياسة، تمكنت عن طريق نظم الإصلاح الزراعي من تحقيق زيادات في الإنتاجية الزراعية، واستطاعت هذه الزيادات في الإنتاجية من إشباع الاحتياجات المحلية وخفض الموارد الزراعية، وتحقيق الفائض. وقد أمكن توجيه الفائض إلى الصناعات التي تعتمد على هذه الموارد الزراعية (القطن والصناعات النسجية) لتنمية هذه القطاعات وتصدير الباقي إلى الخارج للحصول على العملات الصعبة التي تغطي عمليات الاستيراد مع السلع الإنتاجية (الصادرات التقليدية تغطي الواردات الحديثة).
أما العوامل الخارجية، فقد أتت نتيجة ظروف التقسيم الدولي للعمل السائدة في تلك المرحلة التاريخية. فهذا الأخير كان يسمح من خلال المنافسة الدولية والتكتل الدولي السائد (المنافسة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، إزدواجية النظام الرأسمالي)، بتقديم المساعدات ومنح هذه الدول مزيدا من رأس المال والسلع والتجهيزات والقروض والهبات العامة لعمليات التصنيع والتحديث الاقتصادي الداخلي. فالولايات المتحداة كانت تمنح أنصارها من الدول، التي تواجه التغلغل الشيوعي (كوريا، تايوان)، كثيرا من المساعدات، لكي تقضي على العجز التجاري في ميزان المدفوعات. ولكي تحافظ على معدلات مرتفعة من الاستثمار كما أن الاتحاد السوفيتي مد المساعدة، المقدمة منه إلى البلاد المتحالفة معه من خلال إقامة مشروعات للبنية الأساسية والمجموعات الصناعية الثقيلة. وقد حققت مثل هذه السياسة في المراحل الأولى، معدلات عالية من النمو الاقتصادي، لكافة البلدان التي اتبعتها.
وقد حققت هذه السياسة نجاحاتها نتيجة لتوافق الهيكل السياسي للدولة مع هذه الظروف. فالاقتصاديات التي اعتنقت هذه السياسة، كانت إما اقتصاديات مخططة أو تدير فيها الدولة الاقتصاد أو دول كانت تتبع اقتصاديات السوق وإنما من منظور تنموي. فالاقتصاديات المخططة، كانت تقوم فيها الحكومة بالدور الأساسي من حيث تخصيص الموارد، وتحديد أهداف الإنتاج وأولوياته وتقرير الأسعار (الأسعار الإدارية). وكانت الحكومة أيضا (بدلا من السوق) تحدد العرض والطلب. وكانت ترى أن كل الأفكار التقليدية والتقليدية الحديثة حول حرية التجارة، هي أفكار غير واقعية. حيث أنه في واقع التجارة الحقيقية المنافسة غير موجودة. كما أن هناك عقبات تعترض حركة تنقل بعض عناصر الإنتاج (رأس المال والعمل) ، وأن الدول يجب أن تقوم بالمشاريع الضخمة في الصناعة والنقل، لعجز القطاع الخاص. وكذلك عليها أيضا أن تعد وتجهز البنية الأساسية لمواجهة وخدمة عمليات التصنيع.
أما الدول التي كانت تعتنق ظاهريا مبادئ اقتصاد السوق، فقد كانت تطبق فعلا وواقعيا مزيج من قواعد الاقتصاد المختلط الذي يحتوي على توفيق بين وظائف السوق والحرية من جانب، وعناصر التخطيط من جانب آخر ويغلب عليها مفهوم الدولة التنموية، والذي يتجاوز مفهوم دولة الرقابة أو التصحيح. فلم يعد يقتصر دور الدولة على مواجهة الاحتكار أو حماية المستهلك أو النواحي الإدارية والرقابية، بل امتد إلى بعض الممارسات، مثل دعم وتقوية القطاع العام وتحقيق التشغيل ورقابة الوظائف والبطالة، ومراعاة البعد الاجتماعي ودعم المنتجات المحلية وزيادة قدراتها التنافسية وتشجيع الإشباع والإنتاج الذاتي ودعم الصناعات الوطنية، وبصفة عامة إعطاء دور كبير للدولة في الشئون الاقتصادية.
ولقد تبع كل هذه الممارسات والتغيرات الهيكلية الاقتصادية والسياسة إتباع سياسة تجارية تمييزية ومائية لمواجهة المنتجات الأجنبية. وطبقت مجموعة من الإجراءات والقيود التجارية، بل ودعمت الإجراءات الثقافية لمواجهة المنتجات الأجنبية. ومعنى هذا أن سياسة إحلال الواردات قد اقترنت بالسياسات التجارية الحمائية والتشجيعية (الدعم والقيود) حتى تكون لهذه السياسة فاعليتها وتأثيرها.
وللأسف الشديد، فإن ما هدفت إليه هذه السياسة، هو الذي كان بذاته مبعث انتقاد وفضل هذه السياسة.
1. فسياسة إحلال الواردات، في إطارها التنموي، كانت تهدف إلى الاستقلال الاقتصادي والتحرر من التبعية. إلا أن تطبيق هذه السياسة، وخاصة في مرحلتها الثانية، وما أدت إليها من استيراد مستلزمات الإنتاج ورأس المال والتكنولوجيا لإنتاج السلع اللازمة للإشباع الداخلي، قد أدت إلى تقوية عناصر التبعية الاقتصادية والتكنولوجية، وخاصة في أكثر صورها شدة، كالاقتراض الخارجي والمديونية وسيطرة القوى الخارجية على الاقتصاد المحلي من خلال العناصر الفنية والتكنولوجية. كما عجزت هذه الدول من خلال منتجاتها التقليدية الداخلية على أن تحصل على مصادر العملات الصعبة الضرورية للاستيراد وفشل بعضها في حل المشكلة الزراعية أو الفجوة الغذائية، وتضاعفت حدة مشكلة الزيادة السكنية فزاد العجز في ميزان المدفوعات، نتيجة فل نقص الصادرات وزيادة الواردات. يضاف إلى ذلك انهيار قيم المبادلة، بين أسعار المواد الأولية (الزراعية والمعدنية)، والتقليدية للبلاد النامية وأسعار مستلزمات الإنتاج والتجهيز (الآلات) للبلاد المتقدمة لصالح الأخيرة. وأخيرا جاءت أزمة الطاقة وارتفاع أسعار البترول لتقضي على البقية الباقية من الفوائض المالية للبلاد النامية، خاصة أن الدول الكبرى الصناعية كانت تسيطر على توزيع هذه الموارد وعلى جانب من إنتاجها (مشاركة مع الدول البترولية المنتجة). واستطاعت هياكلها الاقتصادية أن تمتص وتستوعب الزيادة في أسعار البترول، في حين عجزت هياكل الدول النامية عن ذلك. وبذلك زاد العجز واتسعت المديونية، بالقدر الذي خلق مشكلة المديونية. وزاد من الشك حول إمكانية هذه الدول بالاستمرار في التنمية، دون معالجة لمشكلة المديونية والبطالة.
2. والنقد الثاني، الذي يوجه إلى هذه السياسة، أنها لم تمكن الدول النامية من الاستفادة من اقتصاديات الحجم والتمتع بالقدرة التنافسية، حيث أنتجت هذه السياسة صناعات صغيرة الحجم، ذات تكنولوجيا متواضعة لا تتوافر لها إمكانية التحدي والتنمية والتطوير دون مراعاة للأسعار الاقتصادية الحقيقية أو توفير الرفاهية للفرد المستهلك أو تحقيق حرية الاختيار أو مستوى الإشباع؛ أو أن توفر لها التكنولوجيا المتقدمة التي تخلق سلعا جديدة أو سلع تنافسية يمكن تصديرها. وعموما فاقتصاديات الحجم ضرورية لخلق القدرة التنافسية والجودة وانخفاض التكلفة مع زيادة الإنتاج والاستفادة من الوفورات الاقتصادية وحجم السوق واتساعه وزيادة الطلب. ولكن الاهتمام بالإنتاج المحلي لإحلال السلع الوطنية محل السلع الأجنبية، وإشباع الطلب المحلي فقط أدى إلى ضيق السوق وعدم وجود المنافسة، وعدم الاهتمام بالجودة أو تنوع السلع أو التجديد. وقد أدى تطبيق الأسعار الإدارية وتحديد عدد المنافسين، في بعض الأحيان إلى تعميق الاحتكار العام (القطاع العام)، مما أدى في نهاية المطاف مع تطبيق قيود التجارية الخارجية – طبقا للاقتصاديين النيوكلاسيك – إلى تخصيص الموارد بطريقة بعية عن الفاعلية والكفاءة، لا تراعي الفروق والمزايا النسبية وتكون النتيجة الرئيسية دائما عجز ميزان المدفوعات وفشل التنمية الاقتصادية.
(ب) سياسة التوجه نحو الصادرات لتحقيق النمو:
ومن نفس المنطق المتمثل في ضرورة أن ترتبط السياسة التجارية الخارجية بالتنمية الاقتصادية استحدث كثير من الدول (وخاصة دول جنوب شرقي آسيا الاشتراكية والرأسمالية على السواء) سياسة بديلة لإحلال الواردات تقوم على وضع إستراتيجية لتنمية الصادرات لتكون دافعا للنمو الاقتصادي حيث يتم ذلك عن طريق تشجيع وإقامة صناعات تصديرية تتمتع فيها هذه الدول بالمزايا النسبية الدولية، واختراق السوق الدولية، فتزداد الصادرات ويزيد الفائض في ميزان المدفوعات ويستخدم هذا الفائض داخليا من أجل التنمية الاقتصادية.
وقد وجد الفكر النيو كلاسيكي في هذه السياسة، خطوة أساسية نحو النمو الاقتصادي، وبديلا جيدا لسياسة إحلال الواردات وتعظيما لفكرة المزايا النسيبة التي تقوم عليها التجارة الدولية وخلق البيئة الملائمة للإنتاج ولإدخال المستثمر للتجديدات والتحسينات التكنولوجية عن طريق المنافسة الدولية. وأخيرا الاستفادة من مزايا الإنتاج الكبير المتمثل في اتساع السوق، وانخفاض النفقات نتيجة زيادة الإنتاج والاستفادة نم توافر القوى العاملة وتدني مستويات الأجور.
ولقد حاولت الدول التي اعتنقت هذه السياسة (دول جنوب شرقي آسيا بصفة خاصة)، أن تستفيد وتطبق بعض مظاهر اقتصاديات السوق، وخاصة تحرير الاقتصاد وتحرير التجارة، وباعتبار أن هذه الحرية تنمي الصادرات من خلال المنافسة الدولية، ولكنها اختلفت فيما بينها، فيما يتعلق بمدى هذه الحرية ونوعية الإجراءات المستخدمة حسب طبيعة النظام السياسي الذي تنتمي إليه.
أولا: فالدول التي تتمتع أصلا بهيكل رأسمالي (مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وسنغافورة وهونج كونج) وتحت ضغط الولايات المتحدة واليابان – توسعت في هذه الإجراءات وفي تحرير التجارة والاقتصاد (مع قيود بسيطة من التدخل) من أجل تشجيع الصادرات. وتمثلت هذه الإجراءات غالبا في:
1. تطوير سعر الصرف، بحيث يكون أكثر واقعية (سعر الصرف العائم المقرر) ومعبرا عن الحقائق الاقتصادية (العرض والطلب) وفي بعض الأحيان طبق سعر صرف أقل من قيمته الحقيقية (تخفيض العملة) لتشجيع الصادرات وتخفيض الأسعار في السوق الدولية.
2. تسهيل التحويل، وتقديم تسهيلات ائتمانية للتصدير، وقروض لإقامة الصناعة رخيصة التكلفة وتقديم إعانات ودعم الشركات التي تقوم بالتصدير.
3. تشجيع الاستثمار الأجنبي على التوطن وإقامة الصناعات في هذه البلاد، باعتبار أن هذا الاستثمار يجلب معه رأس المال والتكنولوجيا المتقدمة مما يزيد من مقدرة هذه البلاد التصديرية التنافسية.
4. إقامة المناطق الحرة ومناطق خارج الحدود خالية من كافة القيود تتمتع بالتحرر الكامل لكي تتوطن فيها الشركات الأجنبية، ومناطق التخزين والصناعات المشتركة المتخصصة في التصدير إلى الخارج.
5. الاستفادة من الظروف الإنتاجية المتواجدة والتي تحقق النسبية الإنتاجية الدولية، مثل العمالة الماهرة، وغير الماهرة وتوفير فرص التعليم والتدريب والأجور المنخفضة والإعفاءات الضريبية وحوافز الاستثمار وحرية التحويلات وثبات سعر الصرف.
6. تشجيع الصناعات التي تعتمد على كثافة العمل أو توافر الموارد الأولية داخل الإقليم، وخاصة صناعات النسيج والأحذية والألعاب وتصديرها إلى أسواق الدول المتقدمة.
والواقع أن الإجراءات السابقة تنبع من السياسات المتبعة سواء على المستوى الاقتصادي الكلي أو على المستوى الجزئي ومن خلال هذه السياسات العامة، انبعثت كافة الإجراءات السابقة وغيرها من الإجراءات:
1. فالسياسات الاقتصادية الكلية المتبعة لتشجيع الصادرات من أجل النمو، تتركز أساسا في أربعة مبادئ رئيسية: إقامة اقتصاد مفتوح، إقامة سعر صرف حقيقي، محاربة عجز الميزانية، مواجهة التضخم وتحقيق الاستقرار. والواقع أن الاقتصاد المفتوح لا ينصرف فقط إلى الحالة الداخلية، وإنما يجب أن يمتد أيضا إلى السياسة الخارجية. وهذا كفيل بخلق عناصر المنافسة الدولية وتدعيم الصناعات الوطنية واستفادة هذه الصناعات من المزايا النسبية التي يتمتع بها الاقتصاد. وإقامة الاقتصاد المفتوح وتحرير التجارة يستلزم بالضرورة تطبيق سيعر صرف واقعي وحقيقي وهذا من شأنه أن يحقق المبادلة الدولية على أساس من العدالة والكفاءة ويحقق توازن ميزان المدفوعات ويقضي على الاختلال في هذا الميزان. وفي بعض الأحيان وفي ظروف استثنائية كانت تطبق قواعد صرف خاصة ومعانة بأسعار منخفضة للواردات من المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج والسلع الإنتاجية لصالح الصناعات المحلية لتقوية قدرتها الإنتاجية والتنافسية وخفض النفقات. كما يستلزم أيضا اختيار الاقتصاد المفتوح والقضاء على عجز الميزانية. فقد أثبتت التجربة أن تمويل هذا العجز غالبا ما يم عن طريق الإصدارات الجديدة. وهذا يؤدي إلى التمويل التضخمي والمديونية وعدم الثبات في الاقتصاد. أما تحقيق توازن الميزانية أو تخفيض العجز عن طريق الموارد الحقيقية وزيادة الإنتاج، فإنه يحقق الاستقرار والثبات في الكميات الاقتصادية الكلية. وبغير ذلك فإن التضخم يعرقل الصناعات التصديرية ويقلل من كفاءتها ويفوق نمو الجهاز الإنتاجي ويرفع الأسعار كما يعطل أثر زيادة الإنتاجية فتقل الصادرات وتزيد الواردات ويتسع العجز في ميزان المدفوعات.
2. والسياسات الاقتصادية الجزئية المتبعة لتشجيع الصادرات، غالبا ما ترتبط بالسياسة الصناعية المتبعة. وهي تربط أساسا بين هذه السياسة والسوق الدولي، والسياسة الخارجية للتجارة. وغالبا ما تقرر هذه السياسة من خلال مبدأ عام يطلق عليه وصف الحواجز الحيادية للصناعة. وهذا يعني إلغاء التفرقة بين السوق الداخلي والسوق الخارجي. فالموارد تتجه أساسا إلى تنمية القطاعات في الاقتصاد الأكثر فعالية وكفاءة في المنافسة الدولية. وهذا يجعل الصناعات المنشأة تستفيد من مزايا الإنتاج. ولكي يتحقق ذلك لابد من اختيار وتطبيق دوافع وحوافز استثمارية لتنمية الصناعات التصديرية.
ويجب أن تراعى هذه الحوافز مدى تشابك العلاقات الاستثمارية واقتصاديات الحجم، وهذا يعني أن نشجع الاستثمارات والصناعات التي تخدم صناعات قائمة والصناعات التي لديها قابلية للنمو والحجم الكبير. وتبدأ هذه الحوافز منذ مرحلة المفاوضات الإستراتيجية مع الصناعة، وتقديم بعض النوعيات من الحماية والدعم للصناعة الناشئة وربط الأسعار المحلية بالأسعار الدولية والاهتمام بالإنتاجية المرتبطة بتقديم وإدخال التكنولوجيا الحديثة وتشجيع الاستمثار الأجنبي الذي يدخل ويطبق التكنولوجيا الحديثة والاهتمام برأس المال الإنساني (التعليم والتدريب والصحة)، والعناية بالعلاقة بين الصادرات ونمو الإنتاجية ورفع مستوى العمل، وخاصة أن المستوى المرتفع لقوى العمل مع انخفاض الأجور، يسهل من عملية استيعاب التكنولوجيا ويزيد من قيمة الإنتاجية. وعندما تعجز الصناعات المحلية عن الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، بسبب احتكارها في السوق الدولية، فهذه الدول يمكنها أن تلجأ إلى طرق غير مباشرة للحصول على هذه التكنولوجيا. ومن أهم الطرق شراء الأجهزة والمنتجات المندمج فيها التكنولوجيا المتقدمة. كما يمكن تشجيع الاستثمار الأجنبي على التوطن الصناعي المحلي الذي غالبا ما يجلب معه التكنولوجيا المتقدمة التي يسيطر عليها. ويمكن أيضا الحصول على تراخيص التكنولوجيا أو نقل التكنولوجيا غير المملوكة أو المتاحة من خلال الحصول على المعلومات من الزبائن والمصادر المختلفة أو تقليد التكنولوجيا أو الحصول على المعرفة المتقدمة من المواطنين العاملين والمتعلمين في الخارج، أو تنمية البحث العلمي المحلي أو المشروعات المشتركة.
وبجانب السياسات التي عجلت بإقامة الصناعات التصديرية، هناك بعض العوامل التي عجلت بعمليات التصدير. مثل التمويل التفاضلي، الإعانات والدعم، وتدعيم البنية الأساسية، منح الكثير من الحوافز للاستثمار الأجنبي. ولعل أكبر حافز تحقق للاستثمار الأجنبي يتمثل في الظروف الهيكلية الاقتصادية السياسية والإدارية والقانونية التي تحيط بالاستثمار. وهذه الحوافز تتفوق على الحوافز المالية. كذلك عمدت الدولة في بعض الأحيان إلى تشجيع الصادرات من المنتجات غير التقليدية.
وقد تحقق نجاح هذه السياسة، من خلال زيادة معدل الصادرات والقدرة على اختراق الأسواق العالمية ومنافسة الصناعات الداخلية في الدول المستوردة. وربما كانت أكبر عقبة واجهت هذه السياسة، تحققت في البلاد التي تتمتع بحماية وتطبيق قيود على الواردات (تعريفة أو حصص). وقد استطاعت هذه الدول المزج بين زيادة الصادرات وحماية الواردات عن طريق المشاركة والعمل في المناطق الحرة عن طريق نظام draw back، وتوسع نشاطها وتوطنها في الدول التي تضع قيودا. وكما منحت الدولة المشروعات التصديرية كثير من الحوافز (الإعفاء من ضريبة الدخل) وتمكن المصدرون من الدخول في الأسواق بالأسعار العالمية والتنافسية وبمواصفات الجودة المطلوبة، فضلا عن إقامة مشاريع دولية إنتاجية ومشاريع تسويقية، والتمتع بالائتمان قصير الأجل للتصدير، وطويل الأجل للحصول على رأس المال والتكنولوجيا.
وقد استطاعت أن تقدم في الأسواق المحلية منتجات رخيصة وجيدة ذات كفاءة عالية تنافس المنتجات الأجنبية وتحل محلها، لأنها تعمل في إطار المنافسة ولا تفرق بين السوق الداخلي والسوق الخارجية. كما سهل من مهمتها العناصر الثقافية والأخلاقية التي تدفع المستهلك المحلي دائما على تفضيل المنتجات المحلية على المنتجات الأجنبية.
ثانيا:  أم الدول التي تتمتع بهيكل اشتراكي: فقد طبقت قواعد مماثلة، واتخذت خطوات عديدة لجذب الاستثمار الأجنبي والتوسع في الصادرات نتيجة مزايا اتساع السوق، وارتفاع أثمان المنتجات في الدول الأخرى نتيجة زيادة الأجور. وقد طبقت هذه الدول بعض قواعد اقتصاديات السوق وتحرير التجارة. وعلى سبيل المثال فقد مسحت هذه الدول للمشروعات المحلية أن تتعامل في السوق في الفائض المتبقي لها من المنتجات بعد تسديد حصة الدولة. كما بدأت تظهر العناصر الخاصة في التجارة وفي إقامة المشروعات الصغيرة. ولعل أكبر مظهر يحاول أن يوفق بين اقتصاديات السوق واقتصاديات التخطيط، وهو إقامة مناطق حرة اقتصادية للصادرات، تحاول أن تجب الاستثمار الأجنبي في الصناعات الخفيفة (الدراجات – الملابس – الألعاب – المنسوجات) وتعمل بحريات وبنظام المشاركة مع المروعات المحلية. وبذلك تم فتح الباب أمام التكنولوجيا ورأس المال الذي يحاول أن يستفيد من السوق الداخلية المتسعة والسوق الدولية. ويقيم المشروعات ذات الإنتاج الكبير والنفقات المنخفضة. كما أقيمت أيضا مشروعات خاصة عديدة في المناطق الحدودية، لكي تتكامل مع المشروعات في البلدان القريبة الرأسمالية (هونج كونج). كما استفادت أيضا من توافر الأيدي العاملة الرخيصة الماهرة منخفضة الأجور، واستطاعت عن طريق صادرتها تغطية وارداتها من التكنولوجيا.
وعموما فإن سياسة تشجيع الصادرات لتحقيق التنمية هي سياسة ناجحة حققت معدلات مرتفعة في النمو في بلاد جنوب شرقي آسيا تتفوق بكثير على ما تم في أمريكا اللاتينية أو في الشرق الأوسط بالرغم من تمتع بعض هذه البلدان الأخيرة بموارد ريعية (كالبترول)، كما ترتب عليها أيضا معدلات نمو مرتفعة.

مقارنة بين سياستي إحلال الواردات وتنمية الصادرات:
يدل الواقع على أن المقارنة بين هاتين السياستين على أنهما سياستان متنافستان وليستا سياستان متكاملتان، هي مقارنة خاطئة. فجميع الدول في البداية طبقة سياسة حماية الواردات. وزحقق ذلك تقدما في ميزان المدفوعات، ثم جاء بعد ذلك سياسة تنمية الصادرات لتكمل السياسة الأولى. ولم تطبق أي دولة سياسة حرية التجارة إلا بعد أن تمكنت أن تكون لها صناعة وطنية قادرة على المنافسة وعلى اختراق الأسواق. ومازالت تلك الدول حتى الآن وبالرغم من تحرير الاقتصاد تطبق قيود خفية ومتنوعة على الصادرات. ومن أهمها تلك القيود المعنوية وقدرة المنتجات المحلية على الإحلال محل الواردات بما لها من كفاءة وانخفاض في الأسعار.
4. السياسات التجارية للدول المصنعة حديثا والبلدان الأقل نموا (الدول المتخلفة):
(أ) تتبع جميع الدول المصنعة حديثا: (دول جنوب شرق آسيا وبضع دول أمريكا اللاتينية) تقليديا المذهب التجاري في صورته الحديثة وتستخدم كثيرا من التسهيلات الائتمانية والإعانات والدعم الحكومي وتفرض الكثير من القيود الصناعية بهدف ترقية الصناعات وزيادة الصادرات، كما تعمل على زيادة الإنتاجية والاستفادة من مزايا الإنتاج الكبير في مجال المنافسة الدولية. وفضلا عما تقدم فإن هذه الدول تستخدم كذلك سياسة تنمية الصادرات لأجل النمو، وتواجه من خلال الاستثمار الأجنبي إعادة توطين الصناعات والوظائف في اقتصاداتها التي تتمتع بوفرة في العمالة الماهرة. وهذا التوطن المتزايد من المتوقع أ، يعمل على الاستفادة من انخفاض الأجور في المدة الطويلة، ويؤثر في نمو التجارة مستقبلا. المجموعة الحالية من الدول، هي أقل انفتاحا من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الكتلة الأوربية المتقدمة صناعيا.
(ب) أما البلدان الأقل نموا (الدول المتخلفة)، فهي تحاول أن تمزج بين عناصر اقتصاديات السوق من جهة والتخطيط من جهة أخرى وتنادي بإقامة نظام اقتصادي عالمي جديد أكثر عدالة مع زيادة المساعدات للدول الفقيرة لتحسين مستواها. والبلدان الراهنة هي أقل الدول تحريرا للتجارة، وتطبق سياسات تقيدية على الواردات وسياسة تشجيعية للاستثمار الأجنبي الخاص، كما أنها تتمتع بموارد أقل وأهداف خاصة للتنمية، في مراحلها الأولية، وبصفة عامة فإنها أقل الدول انفتاحا على العالم الخارجي.
5. السياسات التجارية للدول الصناعية المتقدمة اقتصاديا:
من الأهمية بمكان دراسة السياسات التجارية للدول الصناعية المتقدمة اقتصاديا وذلك نظرا لأنها تعكس حالة الاقتصاد العالمي، كما أنها تمثل في الواقع الممارسة العملية للسياسات التجارية في مواجهة الفروض النظرية للنظريات والسياسات التجارية في مواجهة الفروض النظرية للنظريات والسياسات التجارية. فضلا عن أنها تعتبر مقدمة ضرورية لتفهم تطور النظام العالمي للتجارة باعتبار أن النظام، هو في الحقيقة توفيق بين وجهات نظر هذه الدول.
(أ) فمن حيث أوضاع هذه الدول بالنسبة لحالة الاقتصاد العالمي:
فهي تمر الآن بمرحلة ركود تضخمي وفوضى ممتدة، وتعاني من تقلبات أسعار الصرف لمختلف العملات، وعدم تعبيرات بدقة عن القيمة الواقعية لمختلف العملات، وخاصة عملات الاحتياط العالمي (الدولار). كما يلاحظ أنه داخل الاقتصاد العالمي، تتحول الاستثمارات والصناعات والوظائف إلى الاقتصاديات منخفضة الأجور عالية المهارة (الإنتاجية). كذلك تحولت الولايات المتحدة من أكبر دائن إلى أكبر مدين في الاقتصاد العالمي. وانخفضت مستويات التنمية، وخاصة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا بالمقارنة بالمستويات التي كانت سائدة في الستينات والسبيعنات. كما تميزت هذه الفترة أيضا بسيادة رأس المال الطائر. وتنامي مشاكل المديونية والعجز في السيولة الدولية. وطبقت أيضا سياسات غير آمنة، وساد الاقتصاد العالمي التضخم والبطالة.
فكيف يمكن في ظل هذه الظروف، تحقق النمو بمعدلات مناسبة؟ وكيف يمكن أن تزدهر التجارة الدولية؟ وكيف يمكن أن تمول التجارة الدولية؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به البنوك العالمية والمؤسسات التمويلية؟ وأخيرا ما هي السياسات التي يمكن أن تطبقها الدول والكتل الدولية في مثل هذه الظروف؟
(ب) أما بالنسبة للممارسات العملية في السوق الولي والعالمي: فإن الدول الراهنة تتفق جميعا في اتجاهاتها الرئيسية الإستراتيجية، وخاصة ما يتعلق منها بخلق السوق الحرة المفتوحة والمتكاملة دون حدود وتحرير التجارة وإلغاء أغلب القيود المفروضة عليها تدريجيا وخلق الظروف الملائمة للمشروع الخاص وتنمية الاستثمارات الخاصة الأجنبية والقروض. وهذه الاتجاهات أيدتها كافة الدول، بما في ذلك الدول الاشتراكية التي في مرحلة التحول. وفيما عدا هذه الاتجاهات الرئيسية، اختلفت وجهات النظر، طبقا لاختلاف المصالح والمواقف الإقليمية.
1. فالولايات المتحدة، تبدو أكثر دول العالم انفتاحا على التجارة الدولية، وأقلها قيودا بالرغم من أنها، ومن خلال ممارسات الشركات المتعدية الجنسيات التابعة لها، تعاني من العجز في الميزانية والعجز في الميزان التجاري، والمديونية الخارجية وهي تحتكر التكنولوجيا المتقدمة، ومتفوقة على بقية دول العالم في قطاع الخدمات (التأمين والبنوك والسياحة ...الخ).
2. واليابان، تبدو أقل انفتاحا، وتعمل على تنمية وترقية الصناعات، بالجودة وتحسين الإنتاجية والتسويق الجيد والبحث العلمي. كما تستفيد المشروعات من الائتمان قليل التكلفة (سعر الفائدة منخفض) سهل الاستخدام وتتبع إدارة متقدمة في الإنتاج والتسويق. كما أنهناك تفاهم وتحالف قوي بين المشروعات الخاصة والحكومة والنقابات. وتتميز بانتماء قوى من العمالة تجاه المشروعات. وتفرض قيودا تجارية على الواردات الأجنبية القادمة من مناطق مختلفة. وتعتمد كثيرا على العوامل والتقاليد الثقافية التي تجعل المواطن الياباني يفضل ويقبل على منتجات بلده.
3. وبالنسبة لدول الكتلة الأوربية المتقدمة صناعيا (أوروبا) يقلقها كثيرا مشاكل العمالة والتوظف والأجور (البطالة والأجور المترفعة)، والركود الاقتصادي ومنافسة دول جنوب شرق آسيا لها في السوق الدولية. وبعض هذه الدول (ألمانيا مثلا) تحاول أن تحافظ على تفوقها الفني وزيادة الإنتاجية وتتخصص في تصدير السلع الإنتاجية والمعدات الثقيلة وتعمل على أن تخلق لها مجالا في أوروبا الشرقية (الشيوعية سابقا). وعموما فهي تعمل على تحقيق اقتصاد مفتوح متوازن، حيث تحمي زراعتها إلى حد كبير، وتدعم صناعاتها وتستخدم القيود الإرادية الاتفاقية بصورة كثيفة في حماية تجارتها الدولية.
ومن خلال الوصف المتقدم للدول سالفة الذكر نتجه لإلقاء نظرة على السياسات التجارية للكتل الثلاثة التي تمثل الدول المتقدمة: الولايات المتحدة، اليابان، والكتلة الأوربية.
1. فالنسبة للولايات المتحدة، التي تعد أكبر قوة اقتصادية في العالم والتي تراوحت سياستها التجارية بين الحماية في البداية والحرية الآن، استخدمت التعريفة الجمركية، كأداة رئيسية للحماية ولم تستخدم الوسائل الأخرى للحماية إلا بصورة ثانوية. ومنذ عام 1974، فإن قانون إصلاح التجارة أدمج الإجراءات غير التعريفية في الإجراءات الخاصة بحماية الصناعة الأمريكية. ومع أن التقاليد الأمريكية، كانت تقرر دائما أنه لا سلطة أعلى من الكونجرس في التشريعات الضريبية والاقتصادية، إلا أنه أعطيت صلاحيات كبيرة للسلطة التنفيذية لتطبيق الإجراءات الحمائية على أن يكون ذلك على أساس مبدأ المعاملة بالمثل.
ولقد كانت أهم المبادئ التي تحكم موقف الحكومة الأمريكية تجاه الواردات متمثلة فيما يعرف بشرطي:
(النقطة الحرجة – وشرط الهروب)
والشرط الأول – (النقطة الحرجة)، يقضي بأنه من الممكن إعطاء تنازلات للدول الأخرى فيما يتعلق بإنقاص التعريفة الجمركية على الواردات القادمة إلى الاقتصاد الأمريكية بشرط ألا يمثل ذلك تهديدا للمشروعات الأمريكية. ويعرض الطلب على لجنة أمريكية تقوم بالتفاوض، وتبحث كل منتج بذاته. وتحدد اللجنة النقطة أو المستوى الذي يمثل الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه بدون أن تتعرض المنتجات والصناعات الأمريكية للخطر. وقد ألغى هذا الشرط منذ الستينات.
أما الشرط الثاني – (شرط الهروب)، فيعني أن أي أعمال أو مشروعات أمريكية، تشعر أنها مهددة نتيجة زيادة المنافسة من الواردات وكنتيجة تخفيض التعريفة لها أن تطلب من الحكومة تطبيق التعريفة التعويضية. وعندما تتأكد اللجنة من ذلك تعطي توصياتها للإدارة لكي تحدد التعريفة الفردية أو العامة، كعلاج للضرر.
وكنتيجة لاتجاه الاقتصاد العالمي، واقتصاد الولايات المتحدة، نحو التوسع وتحرير التجارة الدولية، إثر مفاوضات الجات المتكررة، اتخذت الإدارة الأمريكية سياسة توسعية في عهد الرئيس كينيدي، حيث أن برنامج يسمى برنامج "تكييف أو توافق التجارة"، أقر فيه المنافسة الدولية في السوق الأمريكية، كجزء من تحرير التجارة يستدعي إزالة الحواجز تجاه صادرات أمريكا للخارج مقابل إزالة الحواجز أمام واردات الولايات المتحدة أو صادرات الدول الأخرى إلى السوق الأمريكية. ولمساعدة المشروعات والأعمال الأمريكية على مواجهة المنافسة الدولية الشديدة – دون انخفاض في الدخل أو مستوى التشغيل – تم إعداد برنامج تصحيح هيكلي لإعادة تأهيل الصناعات الأمريكية لمواجهة المناسة. وقد شملت هذه الإجراءات في تقديم سلف وقروض منخفضة التكاليف (سعر الفائدة)، لتشغيل رأس المال المتغير وتقديم المساعدات والخدمات الإدارية. وتطبيق إجراءات أخرى لرفع كفاءة المشروعات وتخفيض النفقات يمكن للعاملين في الصناعات مرتفعة التكاليف أن يتقاضوا مساعدات مالية من الحكومة الفيدرالية، حتى المرحلة التي يمكن فيها لرأس المال التحرك والتحول إلى قطاعات  إلى قطاعات أكثر إنتاجية وتنافسية.
وبعد دورة طوكيو لتحرير التجارة اندمجت الولايات المتحدة في برامج جديدة لتحرير التجارة، وخاصة أن برامج التحرير اتسع نطاقها. واشتملت على كل نماذج وأشكال التجارة وخاصة قطاع الخدمات وهو القطاع الذي تتفوق فيه الولايات المتحدة وتتمتع فيه بمزايا نسبية كبيرة في السوق الدولية. كما أصبحت كثير من الدول تطبق تعريفات جمركية ضارة بعض الشيء، ولكنها ليست في مستوى حمائي. كما أن حرية التجارة لم تمنع مطلقا من تطبيق قواعد التجارة العادلة والمنافسة الشريفة، من حيث اشتراط مواجهة الإغراق أو التمسك بقواعد السلامة والمواصفات الفنية.
والواقع أن المشكلة الرئيسية التي واجهت وما زالت تواجه الولايات المتحدة نتيجة تحرير التجارة والمنافسة الدولية تتمثل في عجز الميزانية، وعجز التجارة، وتقلبات الأجور والتشغيل والتغيرات الهيكلية الصناعية. فالولايات المتحدة تعاني منذ فترة (الثمانينات) عجزا في الميزانية يزيد على 200 مليار دولار سنوياً تقريباً (5% من الدخل القومي الإجمالي) مقرونا بسياسة نقدية مقيدة وارتفاع في سعر الفائدة. وبسبب هذا العجز زيادة في الطلب الداخلي والخارجي (زيادة الواردات). والولايات المتحدة تعاني أيضا من عجز في الميزان التجاري، وخاصة مع اليابان (75 مليار دولار) مقترنا بسوء تقييم للدولار (تقييم بأعلى من قيمته وخاصة في مواجهة الين والمارك). وفي الوقت نفسه تعتبر السوق الأمريكية أكثر انفتاحا أمام الواردات عن أي سوق آخر (اليابان، دول جنوب شرقي آسيا). وأغلب الواردات القادمة إلى هذا السوق، تتمتع بالدعم والمعونات، وتخفيض الضرائب (ضرائب الدخل)، وأسعار الفائدة المنخفضة، والبحث والتنمية، وكافة وسائل الدعم للصادرات. في حين أن الولايات المتحدة تعاني من مشاكل في زيادة الإنتاجية، وفي سعر الخصم، ومعدل العائد أو الربحية، وتواجه مشاكل عدم الاستقرار والإغراق.
أما التغيرات الهيكلية الصناعية في السوق العالمية فقد كانت مؤثرة تماما. فبعد أن كانت الولايات المتحدة تسيطر على 90% من الإنتاج العالمي في الحديد والصلب، وعلى 70% من إنتاج البترول، وعلى 48% من الحديد والصلب العالمي، 15% من البترول، 25% من الفحم، 26% من الكهرباء. كما أصبحت تستورد كذلك السيارات والبترول، والأجهزة المنزلية الكهربائية، وأدوات الترفيه. وتعتمد على السفن التجارية الأجنبية في نقل البضائع.
أما المشكلة الثالثة والأخيرة، التي ما زالت تقابل الولايات المتحدة، نتيجة تحرير التجارة والمنافسة الدولية وتعتبر أكثرها أهمية، فهي مشكلة الأجور والتشغيل. فالأجور الحقيقية (القوة الشرائية) والتي كانت في زيادة مستمرة منذ عام 1930 نتيجة النمو الاقتصادي وزيادة الإنتاجية تعرضت للتآكل منذ السبعينات نتيجة زيادة الضغوط التضخمية. وهذا التوقف في الزيادة أدى إلى انخفاض الدخل الحقيقي، ومن ثم زيادة الأجور النقدية، والقلق الاجتماعي. وهذا بدوره أضعف الصناعات الأمريكية بالمقارنة الصناعات الأوروبية والتي أصبحت تعمل في نطاق المشرع الكبير واقتصاديات الحجم بعد إقامة السوق المشتركة. كما أضعفت الصناعات الأمريكية في مواجهة المشروعات والمنتجات القادمة من دول جنوب شرقي آسيا، ذات الأجور المنخفضة والمهارة العالية، وبالتالي أصبحت الصناعات الأمريكية لا تستطيع منافسة المنتجات اليابانية والآسيوية، ليس فقط في السوق الدولية، وإنما أيضا في السوق الأمريكية الداخلية، فزادت الواردات وزاد الطلب الداخلي عليها. والأمر لم يقتصر فقط على المنافسة السعرية، بل امتد أيضا إلى مستوى الجودة والتشغيل نتيجة هذه المنافسة غير المتكافئة في السوق الأمريكية والخارجية وزيادة الواردات وتحول الاستثمارات والصناعات والوظائف إلى اقتصاديات جنوب شرقي آسيا منخفضة الأجور. وبسبب ذلك زادت معدلات البطالة داخل الاقتصاد الأمريكي وضاعف من هذه المشاكل، وبذلك ظهرت مشكلة ضرورة إعادة تأهيل الاقتصاد الأمريكي وتأهيل هيكله الصناعي، وإعداد السياسة الملائمة التي تحقق له الدخول في السوق العالمية، وفي إطار المنافسة الدولية، ودون أن تلحق به الآثار السلبية سالفة الذكر.
وحتى تواجه الولايات المتحدة مشكلة البطالة والتشغيل فقد تحولت إلى "اقتصاد خدمات" حيث أصبح قطاع الصناعة يمتص (20%) من القوى العاملة وصار قطاع الخدمات، هو أقدر القطاعات على استيعاب أكبر قدر من العمالة. كما أن الولايات المتحدة يمكنها أن تتمتع بمزايا نسبية كبيرة على المستوى الدولي من خلال هذا القطاع.
كذلك واجهت الولايات المتحدة، تحرك رأس المال والمشروعات متعدية الجنسيات إلى البلاد منخفضة الأجور ببرامج متعددة لزيادة سعر الفائدة والاستثمار والادخار وتهيئة الظروف الداخلية لتلقي الاستثمارات عن طريق تقوية أسواق المال، لكي يتحول اقتصادها بعد فترة وجزية إلى أكبر اقتصاد متلقي لرؤوس الأموال. فبعد أن كانت أكبر دائن في العالم، تحولت الولايات المتحدة لكي تصبح أكبر مدين ومتلقي لرؤوس الأموال من أوروبا واليابان والشرق الأقصى والأوسط (أكثر من 500 مليار دولار تقريبا).
ومن الواضح أيضا أن الولايات المتحدة، لكي تستفيد من حرية التجارة، تحولت إلى أكبر اقتصاد مفتوح في العالم. ففتحت أسواقها للمنتجات التقليدية والاستهلاكية لكافة دول العالم بأقل تعريفة جمركية ممكنة وبأقل قيود متاحة. وخلقت داخليا سوقا تنافسية بين مختلف الدول، وخاصة أمام الدول الآسيوية واليابانية، فأدى ذلك إلى توافر السلع وتنوعها، وتنافسها بأقل الأسعار وبالجودة المناسبة، فتحقق نوع من ثبات الأجور النقدية وارتفاع مستوى الأجور الحقيقية وعدم مطالبة العمال بأي زيادة في الأجور واستقرار في النظام السياسي والاقتصادي. ولمواجهة الزيادة في المنافسة من قبل الدول الصناعية منخفضة الأجور اتجهت الولايات المتحدة إلى إنتاج السلع الفاخرة، ذات القيمة المضافة العالية. كما عمدت إلى تحسين الإنتاجية، وكثافة رأس المال، والبحث العلمي، وتوفير التمويل، وتصنيع وتنمية المناطق الأقل تخلقا في جنوب أمريكا الشمالية. والأهم من كل ذلك هو اتجاه الولايات المتحدة منذ أواخر الثمانيات وأوائل التسعينات إلى التخصص في التكنولوجيا العالية ذات الأجور العالية والمهارات المرتفعة (صناعة الطيران، والمعلومات، والهندسة الوراثية ... الخ) وتمتعت في بعض عناصرها بالخصائص الاحتكارية. وهذه الخصائص الاحتكارية تسمح لها بتحديد الأسعار والجهات التي تصدر لها هذه التكنولوجيا، ومناطق الحظر. كما سمح لها بالاستفادة من ظروف عدم مرونة الطلب أو العرض، أو ظروف تصدير السلع الإنتاجية التي تتجسد فيها هذه التكنولوجيا.
وبسبب السوق المتسع (وخاصة بعد تطبيق اتفاقية النافتا مع كندا والمكسيك) أصبح الاقتصاد الأمريكي لا يشعر بالخطر نتيجة التقلبات الاقتصادية. كما أن المشروعات الأمريكية والمشروعات متعدية الجنسيات التابعة تعمل دائما في إطار الإنتاج الكبير وتستفيد من اقتصاديات الحجم. أكثر مما تستفيد أي مشروعات أخرى.
وتستفيد الولايات المتحدة أيضا من أن الدولار هو عملة الاحتياط العالمية الأولى ويمثل أغلب السيولة الدولية، حيث أن قيمته الرسمية مقدرة بأعلى من قيمته الحقيقة أو الفعلية، وهو على عكس أي اقتصاد آخر، يستطيع أن يحصل على كافة احتياجاته بإصدار الدولار، في حين أن أي اقتصاد آخر لابد أن يصدر لكي يستورد السلع والمنتجات الحقيقية. وبذلك فهو اقتصاد يستطيع أن يصدر التضخم إلى أي دولة أخرى (التضخم الخارجي).
خلاصة القول أن حرية التجارة والمنافسة هي دائما في صالح الاقتصاد الأمريكي أكثر من أي اقتصاد آخر.
2. أما اليابان فقد فقدت بعد الحرب العالمية الثانية عدة ملايين من الأنفس البشرية وحوالي نصف أراضيها قبل الحرب وأربعة أخماس الثروة القومية وغالبية البنية الأساسية وأكثر من نصف الطاقة الصناعية بجانب الآثار الذرية على مدينتي هيروشيما ونجازاكي. ولقد قدمت وأعدت سياسات جديدة لإعادة بناء اليابان وتحقيق النمو والزيادة في التجارة. ولقد تمثلت تلك السياسات أولا في تحقيق الاستقرار النقدي وتثبيت عملتها (الين). ثانيا التحول من الشرق إلى الغرب خاصة تجاه الولايات المتحدة، حتى أصبحت اليابان العميل الثاني للولايات المتحدة بعد الحرب. ثالثا تغيير النظام السياسي من الديكتاتورية إلى الديمقراطية. رابعا تطوير الصناعات التقليدية (المنسوجات) والاتجاه نحو الصناعات الحديثة، وخاصة التشغيلية (الحديد والصلب والسفن). خامسا تحويل قيادة الاقتصاد من الحكومة إلى القطاع الخاص. سادسا الالتجاء إلى الائتمان، وخاصة الائتمان المصرفي (لتمويل الصناعات حتى بلغ 42% من رؤوس الأموال). سابعا التحول من الإعانة إلى التجارة، حتى تحول العجز في ميزان المدفوعات إلى فائض ابتداء من الستينات. ثامنا تحقيق الاستقرار في السياسة المالية (لا قروض عامة). ثم تقديم القروض والمساعدات للمشروعات التي تعاني من صعوبات أو المشروعات الجديدة.
ولقد حققت اليابان برامج حديثة تعتمد على إجراءات تشمل الضرائب والاستثمار والاقتراض وتشجيع التجارة وتشغيل شامل للموارد المادية والبشرية. واهتمت اليابان بالبحث العلمي واستبعاد التكنولوجيا الحديثة. واتبعت أسلوب يختلف عن الأسلوب الحالي في نقل التكنولوجيا المطبقة في السوق الدولية. ولقد ساعدت الثقافة اليابانية في هذا النمو والازدهار. فالتقاليد اليابانية تحتم استخدام أسلوب التناسق وأسلوب الاتصال مع المجمع وأسلوب الاستقرار في العمل وتدعيم العلاقات الوثيقة بين الشركات والنقابات وتدخل الحكومة الأدنى والعلاقات التدعيمية بينها وبين الشركات. كما أنه يغلب على الياباني حب العمل والإتقان وعادة تشجيع الادخار والانتماء وعدم التنقل. وهذه العوامل الثقافية تؤكد وتدعم الإنتاجية والكفاءة.
ولعل تعدد هذه العوامل كان سببا في ازدهار التجارة اليابانية. ولقد عملت اليابان دائما على تشجيع الصادرات، ولكنها كانت أقل انفتاحا فيما يتعلق بالواردات. واستطاعت من خلال قيود التجارة والعوامل الثقافية أن تجعل السلوك الياباني يميل إلى تفضيل المنتجات المحلية عن المنتجات المستوردة ويزيد من المستوى الجيد والأسعار الرخيصة للمنتجات المحلية.
3. وفيما يخص الكتلة الأوربية فقد أصبحت هذه الكتلة تشكل عائقا كبيرا في التجارة الدولية. فقد تكونت السوق الأوربية عام 1958 ثم تحولت إلى الاتحاد الأوروبي فيما بعد. وقد خلق هذا التكتل وضعا جديد يتمثل في إزالة كافة الحواجز الجمركية والقيود بين الدول الأعضاء في الكتلة. وهذا يعني أن المشروعات الأوروبية أصبحت تعمل في نطاق سوق كبير تتمتع باقتصاديات الحكم والقدرة التنافسية. كما طبقت تعريفة جمركية موحدة ومجموعة من القيود في مواجهة الدول الأخرى التي لم تنضم إلى المجموعة وبالتالي فقط أوجدت هذه المجموعة وضعا جديدا في التجارة الدولية يجمع بين الحرية المطلقة فيما بين أعضاء التكتل في مواجهة الدول خارج المجموعة. وأصبحت العلاقات الثقافية بينها وبين الولايات المتحدة واليابان شديدة التعقيد. وهذه الكتلة عموما هي أقل انفتاحا وتدعم زراعتها وبعض صناعاتها وتستفيد من كافة القيود المتاحة لها من خلال الاتفاقيات القائمة. ويتم تطوير هذا التكتل حتى تتوحد السياسات والنظم النقدية والمالية. وتتعامل من منظور أنها تكتل موحد تجاه السوق الدولية (معاهدة ماسترخت).


شارك الموضوع :

0 comments:

إرسال تعليق

مسلسل العشق الأسود

مسلسل حريم السلطان الجزء الرابع

مسلسل من النظرة الثانية

مسلسل وادي الذئاب الجزء التاسع

مسلسل حكاية حب - حكاية عشق

مسرحية تياترو مصر

 
جميع الحقوق محفوضة لموقع عرب كلود مستضاف لدى بلوجر
تصميم محمد سواح تعريب عين العرب